توكة شعر
ـ أجيب لك أيه يا بنتي؟
وضعت في يده جنيهاً:
ـ توكة شعر.
ومضى شهر ..
ودعت زميلاتها الأكبر سناً بعد يوم شاق على باب معمل حلويات "الموناليزا"، لفحت وجهها الخمري المتقيح نسمة شتوية باردة، أغلقت أخر أزرار (سفرة) جلبابها الكستور الباهت بخضار ورداته، أمسكت من فوق جلبابها "بأستك" بنطلونها الكستور السماوي ورفعته أعلى وسطها ، ثم قبضت بيمينها على "ماهية الشهر" في جيب جلبابها "المكشكش" من وسطه والمنتهي فوق الركبة، جذبت ضفيرتها المجدولة والمتدلية أسفل إيشاربها الأبيض، وتركتها فوق كتفها تلامس صدرها النابت، خطت نحو بيتها للأم المنتظرة والأخوات الأصغر بخطوات مثقلة، مُصدِراً حذائها البلاستيكي مع كل خطوة أصوات منفرة .
توقفت في طريق عودتها أمام الواجهة الزجاجية لمحل (خردوات أبولطفي)، تشاهد معروضاتها المتربة، سقطت عينيها على أول الرف العلوي، يجلس يميناً دب ابيض ممسكاً بقلب أحمر، بجواره أرنب وردي، يليه كلب بني، وفيل رمادي، أغمضت عينيها لثوان متخيلة ملمسهم الناعم على خدها، رأت نفسها تلعب بهم ويلعبون معها، وخيرتهم أيهم يفضل أن ينام بجوارها؟ سمعت العراك الدائر بينهم من أجل فوز أحدهم بالنوم في حضنها .. نظرت إليهم في دلال وثقة بالنفس لحسم الخلاف الدائر بينهم :
ـ اخترت الأرنب الوردي علشان أحط ودانه الطويلة تحت خدي وانا نايمة.
قالت هذا وابتسامة سعيدة تملئ وجهها، كتلك الابتسامة الدائمة على وجهة الأرنب الوردي.
استفاقت عندما رأت على الرف الأسفل عدة ملاقط مختلفة الأحجام وعلب أدوات مكياج واحدة دائرة وأخرى مستطيلة ، وثالثة على شكل قلب، شبت على أطراف أصابعها حتى رأت وجهها في مرآة علبة المكياج المفتوحة، غرقت في المرآة حتى ظنت أنها تمسك بالملقاط تشذب وجهها، عقدت حاجبيها متألمة مع كل شعرة شاردة تنتزعها، أمسكت بفرشاة وغمستها في لون وردي، ومررته على خديها وبطول أنفها ورقبتها، وأغمضت عين وفتحت الأخرى وهي ترسم ظلالاً أعلى جفونها بنفس درجات الألوان التي تضعها زميلاتها في العمل قبل نهاية يومهم، بدت أسنانها الصفراء خلف ابتسامتها العريضة عندما وقت عينيها على قلم أحمر الشفايف، فتحته بروية متأمله صعوده اللولبي .. ومررته على شفتيها حتى رأت ابتسامة براقة بلون دم الغزال في المرآة.
شاهدت في الرف التالي مجموعة أقلام مختلفة الجاف منها والرصاص وعلب الوان وكراسات رسم، تخيرت قلم رصاص أصفر ممحاته حمراء، خرجت منها ضحكة طفولية عندما ذكرها برجلاً من زمن أفلام الأبيض والأسود يرتدي طربوش بدون زر، أمسكت بالقلم وفتحت الكراسة، ورسمت يومها .. في الصفحة الأولى تنظف معمل الحلويات بعدما انتهت هي وزميلاتها من الإفطار، ورسمت في التالية وهي تجذب "جوال دقيق" من المخزن، وفي أخرى وهي تنظف أواني يكبرونها حجماً، وفي رابعة رب العمل يفرك أذنها بإصبعيه وهو يشير نحو بعض البقايا أسفل "العجانة" ويمد قدمه متحسساً الأرضية المبللة بعد المسح.
جذب انتباهها الرف الأخير بإكسسواراته النسائية، أقراط ألوانها زاهية وأخرى داكنة، يليهم أساور وقلادات، وغوايش وتوك، عقدت حاجبيها متحيرة هل القرط الطويل الأسود أنسب لوجهها الدائري؟ أم الفيروزي القصير؟ وهل تختار معه القلادة الفضية؟ أمسكت بذقنها وتقلصت ملامحها، حتى استقرت على قلادة فيروزية تليق على القرط، أومأت برأسها متيقنة من ذوقها الرفيع عندما رأت سواراً فيروزياً، وهزت رأسها مطبقة على شفتيها ومؤكدة لنفسها حُسن اختيارها.
أخرجت يدها من جيبها وعدت (ماهية الشهر)، وتوغلت داخل محل الخردوات، نهض (أبولطفي) المراقب لها منذ توقفت أمام محله يتابع أمانيها:
ـ أجيب لك أيه يا بنتي؟
وضعت في يده جنيهاً:
ـ توكة شعر.




سعيد بوجودى فى مدونتك .. استمتعت وانا اقرأ سردك .. بحب المدونات التى تميل لـ اسلوب "الحكاية" ...
...
..
ابدعت
تحياتى
أسلوب السرد رائع ووصف المشهد عالي الجودة :)
يااااااه على بساطتها واحلامها الكبيرة
وحياتها المليانه وجه
الله عليك يا وليد
رائـــــعة
بل أكثر من رائعة
احسست طوال قراءاتى لها
وكانى أنظر الى كل شىء مثلها
موجعة يا وليد
ليس لفقرها
و لكن لانكسار احلامها كل شهر
رائعة
هي دي احلام البسطاء البسيطة :)
رائعه .. صادقه .. موجعه
حلوة الجملة المكررة فب بداية القصة وفي النهاية
أسلوب متميز ومعبر بيبدأ من الآخر وبيرجع بالفلاش باك ويمشي مع الأحداث لحد ما يوصل لنقطة النهاية تاني
شعور مؤلم ان تكون المسافة بين الأحلام وبين الواقع شاسعة بهذه الدرجة
جميلة بلا شك
وصفك للفتاة
ووصفك الدقيق الرائع جعلنا نقف معها ونرى كل رف وبضاعته
وبهذا الوصف الجيد الحسي جعلتنا نرى عمق تلك النفس البشرية وما يدور داخلها من اماني واحلام وحرمان
تحياتي
حسن ارابيسك
توكة شعر .... بل توكة لملمة الاحلام في حلم صغير
رائعة...خير الكلام ما قل ودل
مشهد يختصر احلام العالم بالنسبة لطفلة
إرسال تعليق