الخميس، 21 مارس 2013

أم رضا


حضرت ابنتاها الكبرى والوسطى قبل الظهيرة لمساعدة الصغرى في نقل بعض الأثاث إلى السطح لتوسعة الشقة ذات الحجرتين وصالة، كي تستوعب من سيأتون للتهنئة والاحتفال معهن بليلة الحنة لأختهن الصغرى، تركت أم رضا بناتها يعددن الشقة للازدحام المنتظر، وخرجت إلى شرفة شقتها بالطابق الأول، جلست على مقعدها متكئة بمرفقها على سور الشرفة واضعة يدها على خدها.. تتابع المارة في الشارع.

شرد ذهنها مستذكرة يوم وفاة زوجها بمرضه العضال بعد اهتراء كبده جراء تناوله لمشروبات كحولية رديئة الصنع بخسة الثمن، رحل عنها تاركاً لها معاشاً هزيلاً لا يكفي لشراء الخبز فقط وثلاث بنات أكبرهن في الإعدادية.. تذكرت ذلك المشهد وهو ينزل من بيته لآخر مرة في نعشه وبناتها يبكين على صدرها حزناً على الأب الذي رحل، وتبكي هي خوفاً مما يخبئه الزمان لبناتها.

شاهدت من شرفتها "الكهربائي" على دراجته و"عامل الفراشة" على "عربة كارو" تقف أمام بيتها حتى يعلق الزينة لاحتفال الليلة وزفة الغد.. تذكرت قبل سنوات ليست ببعيدة ابنتها الكبرى "رضا" وزواجها من جارهم أمين مخازن المدرسة الابتدائية المجاورة، حينما جاءت أمه في ليلة شتوية تدق الباب:
ـ أهلاً وسهلا، خطوة عزيزة.

جلست أم العريس على الكنبة القريبة من باب الحجرة، وافترشت "أم رضا" الأرض على يمينها العديد من البرطمانات الزجاجية الفارغة، وعلى يسارها أغطية تلك البرطمانات وأمامها "وابور جاز" عليه وعاء كبير تقلب فيه الحلبة المطحونة بعدما أضافتها إلى العسل الأسود أثناء غليانه:
ـ صلي على النبي يا "أم رضا" من غير لف ودوران، أنا جاية أخطب بنتك لابني.. قولتي إيه؟

رفعت الوعاء من على النار ووضعت آخراً به زيت أضافت له دقيقا وسمسما وفول سوداني وهي تقلب الخليط دائرياً، بابتسامة حذرة ترتسم على شفتيها أجابت:
ـ أيوه بس اسم النبي حرسه لسه يعني متأخذنيش ميقدرش يفتح بيت، والبت كمان لسه في "الدبلون".
ـ هاخدهم يعيشوا عندي وأهو يونسوني في آخر أيامي.
ـ ألف بعد الشر عنك إن شالله اللي يكرهوكي.
ـ تعيشي يا ختي، قولتي إيه؟

أصبح لون الخليط ذهبياً، دمجته بالعسل الأسود والحلبة المطحونة.
ـ حصلت لنا البركة، إحنا في ديك الساعة لما نناسبكم.
ـ طول عمرك أحسن واحدة في الحتة بتبيع "مفتقة".
ـ تعدميني لو مأخدتيش برطمان "مفتقة" وأنت نازلة.

لفت انتباهها وهي في الشرفة حوارا دائرا بين "الكهربائي" في الشارع مخاطباً جارتها الواقفة في الشرفة المقابلة لها:
ـ ممكمن أعلق "فرع نور" في منشر البلكونة؟

رفعت صوتها عالياً:
ـ أيوه يا خويا وماله، الجيران لبعضها، ألف مبروك يا "أم رضا".

صعد على السلم النقال الخشبي بمهارة بالغة حتى وصل إلى السلمة قبل الأخيرة، لف قدمه للجانب الآخر من السلم كأنه ممتطياً "جواداً" وكلما علق جزءا من شريط مصابيحه الملونة، انتقل برشاقة إلى الطرف الآخر من الشرفة محركاً السلم أسفل منه، متكئاً على الجدران كأنه لاعب أكروبات، نزل من على السلم وحمل بيديه "تاج نور" علقه على باب بيت "أم رضا" كُتب عليه "مبروك للعروسين".

مرت أمامها "عربة كارو" محملة بالفاكهة تبعتها بنظرها حتى انعطفت يميناً، مستذكرة قبل عامين عندما كانت تساعدها ابنتها الوسطى في شراء "المشمش" و"العنب الفرط" من سوق الخضار، تساعدها بعد ذلك في غسلهما وتصعد بهما إلى سطح البيت وتفردهما على ورق جرائد في الشمس حتى يجف "العنب" متحولاً إلى "زبيب" و"المشمش" إلى "مشمشية"، ثم تبيع ابنتها الفاكهة المجففة إلى الحلواني القريب في الميدان، جاء "أم رضا" في أحد الأيام شاب يسأل عنها:
ـ اتفضل يا ابني، ثواني أعملك الشاي.
ـ مفيش داعي يا حاجة أنا جاي في كلمتين، أنا بشتغل "كاشير" في الحلواني اللي بتبيعي له المشمشية والزبيب.
ـ أهلا وسهلا يا ابني، المشمشية والزبيب فيهم حاجة؟
ـ أبدا تسلم ايديك، شغلك زي الفل، أنا جاي في موضوع تاني.
ـ خير؟
ـ أنا كنت جاي طالب ايد بنتك؟
ـ بس احنا منعرفش عنك حاجة؟
ـ اسألي عني يا حاجة صاحب المحل، أنا عندي شقة في بيت أبويا شطبتها من مجاميعه، واتفضلي اتفرجي عليها أنت والعروسة لو وافقت يعني.

ابتسمت لصدقه الواضح على ملامحه، والفرحة البادية في عين ابنتها المتابعة للمشهد من خلف الستارة.
ـ ربنا يقدم اللي فيه الخير يا ابني.

دخل الشرفة عامل "الفراشة" في يده لفة من الحبال ومكبر الصوت، علق المكبر بالشرفة قائلاً:
ـ كدة تمام يا اسطى.. شغّل.

سمعت أزيزاً عالياً في مكبر الصوت جاء بعده:
ـ ألو … ألو … 2 … 4 … 6 … 8 … فراشة "حسن وحسين" تتمنى زواجاً سعيداً للعروسين.

تبعته "زغرودة" تركت دوياً كبيراً بعدها.

شعرت "أم رضا" بخصلة بيضاء من شعرها تلامس كف يدها الملامس لخدها، تركت مقعدها في الشرفة، تطلعت إلى نفسها في المرآة شاهدت بعض الشعر يتدلى خلف أذنيها، فكت "الطرحة" السوداء التي لا تفارق رأسها، لملمت شعرها جيداً و"اعتصبت" بالطرحة وهي تنظر للمرآة بتحدٍ.

أمسكت "بالميكروفون" موجهة الدعوة لكل جيرانها عبر "مكبر الصوت" لحضور حنة ابنتها الصغرى والأخيرة، مختتمة حديثها بحرقة:
ـ أم رضا جبرت.

13 Comentários:

بلاش فضايح يقول...

رائعة جدا جدا
عجبتنى
تقبل مرورى

شمس النهار يقول...

اجمل لحظة في حياة الام ان تشعر انها ادت رسالتها :)

وتبتدي مع الاحفاد

غير معرف يقول...

رائع جدا وجميل ،،ربنا يوفقك

حاتم البنا

هناء محمود يقول...

أنا حسيت إنى خرجت من البيت وحضرت تجهيزات الفرح الجميل ده مع أم رضا وعيالها سرد ووصف رائع بجد

Ayah Allam يقول...

جميلة جدا .. تحياتى :))

حاول تفتكرنى يقول...

روعة فعلا

تحياتي

غير معرف يقول...



ثقافة الهزيمة .. ذكريات الأرض المفقودة


و نظرا لأن هناك لوبى نووى قوى فى أغلب الدول العربية يشجع شراء و بناء مفاعلات نووية يدعمه فساد بعض المسئولين من ناحية، و تجاهل كثير من وسائل الإعلام العربية لأخبار حوادث المفاعلات النووية بصورة مريبة من ناحية أخرى ، بالأضافة إلى جهل كثير من الناس بخطورة المفاعلات النووية ، قررت نشر هذه المعلومات سيما أنه بالفعل أشترت دولة الأمارات 4 مفاعلات نووية بتكلفة تزيد على 20 مليار دولار، و نقرأ عن خطط سعودية لشراء 16 مفاعل نووى بتكلفة حوالى 100 مليار دولار ، و سعى محموم فى بعض الدول العربية و منها الأردن و مصر لشراء مفاعلات نووية لتوليد الكهرباء !!! ...
باقى المقال بالرابط التالى

www.ouregypt.us


و نشرت مجلة دير شبيجل الألمانية فى 29 مايو 2012 " أشعاعات نووية : أكتشاف سيزيوم من فوكوشيما فى أسماك التونة أمام السواحل الأمريكية" أسماك التونة أمام السواحل الأمريكية ثبت وجود مواد مشعة نوويا بها ، وهى التى تسربت من كارثة المحطة النووية فى فوكوشيما اليابانية إلى البيئة. فى أغسطس 2011 أسماك تونة تم صيدها من أمام سواحل كاليفورنيا كانت ملوثة بعنصر السيزيوم 137 ، و على أية حال نرى أن الأسماك نقلت المواد المشعة سريعا ، أحتاجت الأسماك من 4 ـ 5 شهور كى تجئ بالمواد المشعة من اليابان حتى السواحل الأمريكية ، بينما الرياح و التيارات البحرية أحتاجت لعدة شهور أضافية حتى تحمل آثار الكارثة النووية فى مارس 2011 إلى سواحل أمريكا الشمالية

يا مراكبي يقول...

أم رضا جبرت :-)

تعبير شعبي رائع ومعبِّر :-)

Unknown يقول...
أزال المؤلف هذا التعليق.
Unknown يقول...
أزال المؤلف هذا التعليق.
Unknown يقول...
أزال المؤلف هذا التعليق.
Unknown يقول...

الله عليك يا عمنا ... كل تدوينة تزداد تألقا وصنعة .....تقبل تحياتى ولا تتاخر علينا

Unknown يقول...

(أم رضا جبرت)
الف مليون مبروك
عقبال امهات البنات
كلهـــــــــــــــــــــن

Powered By Blogger
All Rights Reserved © Waleed AlZhairy - 2008/2013

وليد الزهيري © 2008. Template by Dicas Blogger.

TOPO