حجارة قلم
(1)
شرد ذهنه قليلاً موجهاً ناظريه نحو بنايات (المنيل) الشاهقة الجاثمة على ضفة النيل، فرك (الريس رزق) لحيته البيضاء المدببة بكفه ملاحقاً شمس الأصيل وهي تتوارى خلف الأعمدة الخرسانية، أعاده من شروده اهتزاز قاربه الساكن في عرض النيل والصوت المنبعث من راديو صغير بجواره لا يفارقه:
ـ نستمع الآن لآيات من الذكر الحكيم، يتلوها علينا القارئ الشيخ عبدالباسط عبدالصمد.
قبض بيديه المجعدتين على المجدافين حركهما قليلاً جاذباً قاربه للخلف، وابنه الأكبر (يسري) الواقف على حافته بجسده النحيل متجاوزاً العشرين من عمره بقليل، منحنياً للإمام يسحب الشباك من بين قدميه ويلقيها بروية في قاع النيل، يمده بالشباك المفرودة الابن الأصغر (ماهر) المطل على مشارف المراهقة والواقف بقاع المركب.
لمح (ماهر) بنظرة حادة نباتات شاردة على شاطئ النيل، ملئت شفتاه ابتسامة عريضة، جذب (يسري) الشباك من بين قدميه، مخاطباً أخيه:
ـ هِم بالغزل.
عاد لفرد شباك الصيد في همة:
ـ أهو.
أتم ولديه عملهما ، ورفع الاب يديه للسماء:
ـ يا رب أرزقنا برزق عيالنا .. وحنن قلب السمك علينا.
امسك بمجدافيه في طريق العودة،على أن يعودوا لجمع شباكهم فجراً، منصتاً لابتهالات النقشبندي:
ـ مولاي إني ببابك .. قد بسطت يدي.. من لي الوذ به الاك يا سندي؟
تودد (ماهر) لأبيه مشيراً نحو الشاطئ:
ـ معلش يابا أقطع بوصة من جنب العوامة اللي هناك.
غير اتجاه القارب:
ـ ماشي يا سي (ماهر)، أما نشوف أخرتها معاك.
(2)
وثب وثبة فهد عند اقترابهم من الشاطئ، جذب أحد أعواد الغاب الممشوقة، جز (قصبة) منها ودسها في قميصه، ملئت البهجة صدره عائداً بصيده الثمين. صمت (الراديو) فجأة، حاول ابيهم إعادة تشغيله إلا أنه لم ينطق، دسه في سيالة جلبابه عندما سمع صوت (سارينة) زورق شرطة المسطحات المائية متجهاً نحوهم، يشق صفحة النيل، أسرع (يسري) بالجلوس جانب ابيه، أمسك كل منهما بمجداف محاولين جذب قاربهم بعيداً، إلا أن توترهما لم يمكنهما من الذهاب بعيداً، رمقهم الشرطي الواقف في مقدمة الزورق بنظرة وصوت حاد:
ـ رخصكم.
نهض أبيهم متوجهاً نحو مقدمة القارب، مد يمينه داخل جلبابه مخرجاً من الصديري محفظته، وقدم رخصته بابتسامته متملقة تملئ وجهه:
ـ إحنا في السليم يا بيه.
تفحص وجوه من على متن الزورق، رفع صوته ضاحكاً:
ـ مرحب شاويش عبدالقادر.
ـ إيه اللي وقفك هنا (يا رزق) مش عارف دي عوامة مين؟
ـ معلش بقى الواد (ماهر) الله يجازيه بيحب المزيكا زي ما أنت عارف.
نظر في جوف محفظته، مد يده فيها، وأخرجها مضمومة، وضعها في يد الشرطي الممسك بالرخصه، مخاطباً الشاويش عبدالقادر:
ـ يومك نادي يا شويشنا:
ـ ماشي يا (ريس رزق)، رجع له الرخصة، مش عايز اشوفك هنا تاني.
عاد الزورق من حيث آتى قبل أن يسمع جوابه مخلفاً أمواجاً غير عابئة بقارب (الريس رزق) الجالس في المقدمة رامقاً (ماهر) المتكور عند نهايته:
ـ أدي اللي بناخده منك، خلي المزيكا تنفعنا.
قاطعه (يسري) وهو يجدف عائداً:
ـ حصل خير يابا، ما أنت عارف عبدالقادر، مبيعتقناش في الراحة والجاية.
(3)
رسوا بقاربهم بجوار قارب العائلة ذو الأربعة أمتار طولاً ومترين عرضاً حيث يعيشون وينامون، تجلس الأم في قاعه بوزنها الزائد وشعرها الأشيب المتواري أسفل (العصبة)، أمامها علبة من الصفيح مغلقة من ثلاث جوانب حاجبةً الهواء عن (باجور) الجاز المستقر بداخلها تطهو فوقه حلة (أرز) تتصاعد أبخرته الشهية، وبجوارها زوجة (يسري) التي لم تتجاوز العشرين بعد، تنظف أعواد الجرجير.
تمرجح القارب أثناء جلوس (الريس رزق) و(يسري) في المقدمة، وسير (ماهر) بطول القارب للجلوس خلف أمه، رامقاً زوجة أخيه الجالسة بالقاع في طريقه، قبضت على ياقة جلبابها وضمتها حول عنقها حتى تجاوزها. كشفت أم يسري غطاء الحلة متلفتة حولها، وأمسكت بطبق وملعقة وبدأت في الغرف:
ـ مالك يا أبويسري .
نظر خلفها، قائلاَ:
ـ الشويش عبدالقادر.
مدت يدها في جوف القارب وأخرجت سمكة مشوية، وضعتها فوق طبق الأرز الممتلئ، أخذته زوجة ابنها، ونفضت عودين من الجرجير، وضعتهما بجوار السمكة:
ـ خد يابا.
لمحت الأم بطرف عينها (رزق) غير المقبل على طعامه وهي مستمرة في غرف بقية الأطباق:
ـ متشغلش بالك يا خويا، ربنا يعوض عليك.
(4)
اسدل الليل ستاره على صفحة النيل ، يضيئها بعض الأضواء المتكسرة على أمواجه المتهدلة ويزعجها ضجيج القوارب العملاقة الذاهبة والعائدة، أخذ (الريس رزق) رشفة من كوب الشاي:
ـ أيه الهيصة دي، البحر زحمة النهاردة ليه؟
علقت أعين (يسري) بظهر قارب ذو طابقين، متابعاً فتى وفتاة متقاربين يمسك كل منهما بيد الآخر، أجاب أبيه دون أن يدير عينيه عنهما:
ـ النهاردة راس السنة يابا.
استمر في رشف الشاي، وبقية الأكواب في ايدي أسرته مرفوعة على الأفواه والأعين عالقة مع سريان القارب ذو الطابقين، أخرج (الريس رزق) من جيبه (الراديو) خبط على ظهره ولم ينطق، أخرج بطاريتيه وضغط على منتصف الأولى بأسنانه دافعاً الكربون نحو الأطراف، وكذلك بالثانية، ثم أعادهما، انفرجت اساريره عندما سمع صوت الحياة يدب في الراديو، بحث بين موجاته الإذاعية موجهاً مؤشره يميناً ويساراً، مثلما يوجه دفة قاربه حتى استقر على إحداها، ورفع صوت الراديو محاولاً جذب انتباههم:
ـ أعزائي المستمعين، كل سنة وأنتم طيبين، نرحب بكم في أمسية خاصة بمناسبة رأس السنة، نستمع اليوم إليكم أكثر مما تستمعون إلينا، وسؤالنا لكل المتصلين هو:
ـ أيه الحلم اللي تتمنى تحققه السنة الجاية؟:
ـ والآن مع عبدالحليم حافظ في أغنية (بحلم بيك) في انتظار اتصالاتكم.
برقت أعين (الريس رزق) لامعة:
ـ ايه رأيكم يا ولاد كل واحد يقول حلم يتمنى تحقيقه السنة الجاية؟
أصابت أعينهم نفس اللمعة، نظروا لأنفسهم مجيبين بصوت واحد:
ـ ماشي.
ـ طيب، ولعوا على شوية شاي تانين علشان القعدة تحلو، نبدأ بمين؟
انتفض (ماهر) من مكانه واقفاً:
ـ أني يابا.
هز رأسه مبتسماً:
ـ ماشي
أخرج (ماهر) قصبة الغاب من داخل قميصه، جالساً بجوار أمه، ومد يده بها نحو النار المنبعثة من الباجور، وهو يلفها دائرياً وللإمام والخلف، محرقاً الزوائد التي حولها:
ـ عارفة يا أمه، كان نفسي أدخل المدرسة، واتعلم المزيكا.
قاطعه (الريس رزق) ساخراً:
ـ جتك نيلة في خيبتك، عايز تسيب (كار) أبوك وجدود جدودك، وتلف ورا الغوازي بزمارة:
سخروا جميعاً، بضحكات مكتومة:
ـ قولي أنت يا (أم يسري).
لم يرفع (ماهر) عينيه عن (قصبته) بعدما أتم (تجليسها) على النار، وأمسك بسكين، محاولاً فتح ثقوب بطول القصبة، رفعت أمه (براد) الشاي عن النار، وصبت الماء في الأكواب واستدارت خلفها مخرجة علبة السكر من جوف القارب، وقامت بتلقيم الأكواب بملاعق السكر:
ـ أني نفسي في بوتوجاز.
ابتسمت خجلاً، وهي تقلب السكر في الأكواب:
ـ نفسي أطبخ وأني واقفة.
داعبها زوجها:
ـ يا ولية أنت وتد ياما سندت ضهري عليك:
وجه دفة الحوار ناحية (يسري) متجنباً ملاقاة عينيها:
ـ وأنت حلمك أيه؟
ابتسم لزوجته بعد لحظة صامتة:
ـ اتربيتي على أيدي بعد ما أتولدت في مركب أبوك، ورش الميه كان هو لعبتنا، وكبرنا ومهرك كان الفلوكة دي ـ مشيراً نحو قارب صيدهم المجاور ـ وفاتت سنة:
نظر بعيداً نحو البواخر التي تجوب النهر ومن خلفهم الكازينوهات الممتدة على الشاطئ الآخر:
ـ عارفة يا بت، كان نفسي نقعد هناك ايام الخطوبة في أي كازينو، نمسك أيدين بعض ونبص للميه، وفي أخر القعدة أطلع كام جنيه من جيبي معرفش عددهم، واسيبهم على الترابيزة ونمشي:
مسح وجهه بكفه:
ـ صحيح أنا طول عمري عايش هنا على النيل، بس كان نفسي أعرف اللي بيقعدوا هناك بيحسوا بأيه.
ربتت زوجته على يديه بأعين ودودة، قاطع (الريس رزق) نظراتها قائلاً:
ـ وأنت نفسك في أيه؟
نظرت لموضع قدميها، وهزت رأسها خجلاً:
ـ لأ يابا أنت الأول.
أطل (الريس رزق) بناظريه أمامه نحو زوجته وهي تعيد أدوات مطبخها أسفل القارب، و(ماهر) ينظف ثقوب القصبة بعناية، وتجاوزهما بنظره نحو الفراغ، وشرع في لملمة زكرياته وأمنياته:
ـ البحر زمان كان فاضي علينا، والرزق ياما حتى الصيادين كانوا بيحبوا البحر، والنيل بيديهم سمك على قد حبهم:
ضحك ساخراً:
ـ حتى زمان مكانش في الشاويش عبدالقادر، بس السمك قل والزريعة بياخدوها للمزارع، حتى الزبون مبقاش بيفرق بين سمك المزارع والسمك النيلي:
التفت بنظره نحو قاع النهر:
ـ نفسي لما أموت تربطوا على بطني حجر وترموني هنا.
قاطعته زوجته :
ـ حسك في الدنيا يا (أبويسري)، ربنا يخليك لنا.
رآى على وجهها ابتسامة حزينة، تبعها كسرة عين، مدعية الانشغال بمراقبة (ماهر) وهو يضع سيخاً داخل القصبة، يدفعه للأمام دخولاً وخروجاً لإزالة العوائق من داخل القصبة .
خفض (الريس رزق) رأسه متشاغلاً برفع صوت الراديو، عاقداً حاجبيه، مبدياً الاهتمام بما يسمع:
ـ نستمع الآن أعزائي المستمعين إلى أغنية الذكريات (ليه يا بنفسج) للمطرب صالح عبدالحي.
انفرجت أساريره، قائلاً بصوت باسم:
ـ الأغنية دي سمعتها وأنا عيل من (سي صالح) بيغنيها في (الدهبية) اللي كانت بعد كوبري عباس.
دندن مع الأغنية مستدعياً ذكرياتها في مخيلته، متمايلاً يميناً وشمالاً، إلا أن الراديو صمت فجأة .. خبط على ظهره مرات ومرات، كأنه (قابلة) تحاول إخراج صرخة الحياة من وليد تلقفته على يديها .. لكنه لم ينطق :
ـ يظهر الحجارة خلصت.
لحقته (أم يسري) قائلة:
ـ عندك حجرين قلم يا يسري؟
ـ لأ.
نظر (الريس رزق) للسماء بأعين تملئها خيبة الأمل، بعدما أنقطع حبله السري بالحياة.
وضع (ماهر) فوهة القصبة بعدما أصبحت ناي على فمه عازفاً لحن الأغنية، ارتسمت ابتسامة وجلة بين الحزن والرجاء على وجه ابيه، مسترسلاً مع ذكرياته :
ـ حُسنك في كونك .. بلونك .. تبهج المقهور:
أسدل جفونه عن الراديو مغنياً:
ـ اللي يخونه .. سميره .. في الظلام مكسور:
ـ ليه يا بنفسج .. بتبهج .. وأنت زهر حزين.
غلب على غنائه ضجيج باخرة نيلية ضخمة، تمخر في زهو صفحة النيل، تاركة خلفها أمواجاً عالية تأرجحهم. أدارت زوجة (يسري) وجهها نحو خيالات أضواء العمارات المتكسرة على صفحة النيل:
ـ أني كل ما أخد السمك علشان ابيعه في السوق، بخاف من الناس اللي فوق على البر، بس عارفين أنا نفسي في أيه.. نفسي أسمع رزعة باب.
التفت نحو زوجها واضعة عينيها في عينيه :
ـ أيوة رزعة باب.





كالعادة .. قلمك لا يستهان به أبدا يا وليد
الله عليك ...... تسلم!!
لقد تخيلت و تخليت و وتخيلت ؟؟؟؟؟؟
.
.
.
.
.
لقد تخيلت تلك القصة الجميلة المعبرة وانت تسرد وتنمق فى الكلمات .
ولقد تخليت عن ما بيدى حتى أتم قرأتها.فهى كتبت بدقه عاليه
ولقد تخيلت أنت بصهوة فرس الأبداع
كل عام وانت فنان
مش كتير عليها تسمع رزعة باب على فكرة
البوست تحففة جدا
قصة قصيرة بديعه. انت تفوقت على نفسك هنا يا صديقي
رائعة قصتك بمعنى الكلمة
تعكس واقع بلادنا وما نحن عليه وتفاوت الطبقات وموت الأمل في نفوس البعض وتمسك البعض بحلمه في وطن اجمل رغم قسوة الواقع
الأمل في ماهر ذاك الشاب المتمسك بحلمه
واللى فعلا هايقدر بتصمميمه يحققه
ماهر هو الامل القادم
لو كنت مكان رزق لتركت ماهر يحلم
ربما كان ماهر سبباً في أن تسمع امه رزعة باب
حلوة اللقطة الحياتية الجميلة الطبيعية جداً دي، مؤثرة للغاية
أما جملة النهاية ففيها السحر كله، رزعة باب، فيها اختزال رائع للبيت اللي كلهم محرومين منه
جميلة
أنا كمان اتمنيت نفس الأمنية اللي في آخر القصة ليهم .. اتمنيت انهم يتقفل عليهم باب و يبقى ليهم بيت
شعور انساني طبيعي ومتبادل
إرسال تعليق