الثلاثاء، 22 يوليو 2008

ما بين … الهبوط والإقلاع



يرجى من حضرات ركاب طائرة طيران الجزيرة رحلة رقم 123 والمتجه إلى الإسكندرية التوجه إلى الطائرة من خلال البوابة رقم 22 … لابد أن أسرع كفاني تسكعاً في ممرات السوق الحرة، إن طائرتي ستقلع في الساعة العاشرة والنصف مساء اليوم وتصل في الثانية من فجر الغد إلى الإسكندرية … والطريف أن العودة ستكون على متن نفس الطائرة أيضا في الثانية والنصف فجرا والوصول إلى الكويت في السادسة صباحاً … وما بين الرحلتين شهرين ونصف ساعة.

إن الحركة دءوبة في المطار على مدار الساعة، وعلى مدار الساعة ترى نفس المشاعر المتضاربة السعيدة والحزينة المتشوقة والمودعة الابتسامة والدمعة، حتى الدمعة ذاتها متباينة فيما بينها ترى دموع حزن في الوداع ودموع فرح في اللقاء، الناس تختلف لكن تبقى المشاعر الإنسانية توحدهم … تتقاطع المشاعر فيما بينها كما تتقاطع رحلات خطوط الطيران بين هنا وهناك، ولا تدري من يعيش من … هل هم من يعيشون مشاعرهم، أم أن مشاعرهم هي التي تعيشهم.

لحظات الانتظار مملة ورتيبة قبل الإقلاع ، بين قارئ لجريدة وهو لا يعي من سطورها أي شيء سوى الرغبة في قتل الوقت، ومتأمل لساعته وآخر يعبث بحقيبته ومن يتأمل المارة في ملابسهم وألوانها التي تتمازج مع جنسيات أصحابها، أحدهم يراقب البوابة متى ستفتح … وتفتح البوابة لدخول المغادرين، ويجلس كل في مكانه بعد قليل من الزحام أثناء البحث عن أرقام المقاعد، وأرتفع صوت ربط الأحزمة فوق أي صوت فالكل متأهب ويتمنى بداية الرحلة.

الطائرة في طريقها تشق الممر والمضيفون يشرحون تعليمات الأمن والسلامة، ارتفعت الطائرة مغادرة الأرض فراراً كطائر يتعلم الطيران لأول مرة ويرفض العودة إلى الأرض ثانيةً، وبعد أن استقرت على ارتفاعها بدا لي من النافذة التي بجواري القمر بدراً يأخذ الألباب ولأول مرة أرى القمر وأنظر إليه بمنتهى الندية جنباً إلى جنب كنديمين أضع يدي على كتفه ويضع يده على كتفي في نزهتنا على شاطئ البحر نقذف مياهه بأرجلنا، وليس كما أراه وأنا على الأرض وكأننا القزم والعملاق … يستمع لمناجاتي له رغم بعض الشحوب على وجهه المتواري أحياناً خلف سحب الصيف التي تمر بيني وبينه.

أغمضت عيني على ضوئه وأخذني الحنين إلى الوطن بكل ما فيه حلوه ومره، مسترجعاً النظرة الأخيرة التي تركها كل شخص في مخيلتي حاضرة أمامي وكأني تركته بالأمس القريب، سواء كانت هذه النظرة تحمل ابتسامة أعتقد بأنها مازالت مرسومة على شفتيه وسيلاقيني بها … أو نظرة لومٍ وعتاب على خلافٍ دب بيني وبينه سواء كنت مخطئاً فيه أم لم أخطئ … وكأن الزمن توقف لحظة مغادرتي لوطني أخر مرة … وعدت لأستكمل بقية الأحداث المتوقفة في انتظاري.

أيقظني من غفوتي صوت منبعث من كابينة القيادة … الساعة الآن الواحدة وخمسة وأربعين دقيقة درجة الحرارة 25 درجة مئوية سنصل إلى مطار الإسكندرية بعد قليل، على السادة الركاب ربط الأحزمة ورفع المقاعد وفتح ستائر النوافذ … واحتضنت عجلات الطائرة أرض المطار بشوق كل لحظات الغربة.

ومضى الشهران بين الأمنيات التي كنت ألهث سعياً لتحقيق أكبر قدر منها … والأخرى المحطمة على صخرة الواقع الذي اختلف عما تركته بدون أن أدري أن عجلة الزمن لا تتوقف في انتظار أحد، وما رأيته في العيون ليس ذلك الذي تخيلته، لكني رأيت قسمات السنين جاثمة على الوجوه … وكما أتأملهم خلف ابتسامة ربما تكون مجاملة فإنهم يتأملوني أيضاً ليرى كل منا … ماذا فعل الزمن بالآخر!!!

عدت من حيث أتيت أنتظر طائرة العودة القادمة في الثانية والنصف فجرأً، ويهرول ركابها القادمين كما كنت منذ شهرين، صعدت إلى الطائرة والمضيف ذاته يقوم بنفس العمل … لكن بملل ورتابة تملؤه هذه المرة من عناء رحلة العودة، وحينما كانت عيناي معلقتان تتابعانه سقطت جفوني من شدة الإرهاق وتراءت لي مرة أخرى نفس الأحلام التي مرت بخلدي في طريق الذهاب … لكن بقدر أكبر من الإحباط.

مرة أخرى ينبعث نفس الصوت من كابينة القيادة، الساعة الآن الخامسة والنصف صباحاً… وبفتح ستائر النوافذ ملأت أشعة الشمس في شروقها كابينة الطائرة وبدت واضحة على الجانب الأخر من المقاعد المقابلة، وبعض العيون التي ما زالت غارقة في النوم تتأفف من وخزها لجفونه فتراجعت الشمس عن إيقاظهم على استحياء وارتفعت أشعتها بكل النوافذ لأعلى سقف الطائرة في حركة واحدة مع ميلان جناح الطائرة الذي بجواري إلى أسفل وعندما عاد لوضعه الطبيعي مرة أخرى عادت ثانية وكأن أشعتها المنسابة من النوافذ بحركته يحكي أروع مشاهد البالية من بحيرة البجع لفرقة البلشوي الروسية … وقد غلب التناغم والنعومة على لحظات الوصول.

أفقت على اصطدام العجلات بأرض المطار … وانتهت رحلتي ومر الشهران مرور البرق، وكأنها لم تتجاوز النصف الساعة التي كانت ما بين الهبوط … والإقلاع.

سمعت أثناء خروجي من المطار أصداء صوت صلاح جاهين في رباعيته … إقلع غماك يا تور وارفض تلف … اكسر تروس الساقية واشتم وتف … قال : خطوة كمان وخطوة كمان … يا أوصل نهاية السكة يا البير تجف.

33 Comentários:

بنت مصريه يقول...

اللله جميل قوى البوست ده
احييك عليه

غير معرف يقول...

الايام مع الاحباب بتمر ثوانى
و الايام فى الغربة بتمر سنين

بالرغم من انها ثوانى لكن ممكن نعيش على ذكرها سنين

و نتمنى ان ايام الغربة يكون لها نهاية

ونتمنى اكتر ان لما نرجع متمرش علينا ايام نحس فيها بالغربة مع الاحباب

ربنا يرجعك لحضن وطنك بالسلامة

Aиgel يقول...

مساء الخير وليد..
تعرف والله أنا كنت جايه وقولت هسألك فين البوست الجديد...

بس بصراحة لم أقدر أن أمسك دموعي
كم أنا مشتاقة لوطني لبلدي لأرضي أيضاً

بكل دموع تنهمر مني
أضرب أحرفي على لوحة مفاتيحي
شعرت وانا اقرأ كتاباتك باشتياقي لمصر باشتياقي للحياة

ربي يسعدك ويرجعنا كلنا لمصر سالمين
Angel Love

غير معرف يقول...

تعبرياتك جميله وسلسه

وحمدلله على سلمتك هنا وهناك


تحياتى

!!! عارفة ... مش عارف ليه يقول...

بنت مصريه
***********
ربنا يخليكي والله

شكراً جزيلاً

تحياتي
وليد

!!! عارفة ... مش عارف ليه يقول...

pink dreams
*************
فعلا الأيام مع الاحباب بتمر ثواني :(

ومفيش غير إننا نتنفسها
علشان نقدر نكمل ونعيش

وإن شاء الله ربنا يقبل دعوتك
ويرجعني لحضن وطني

أمين

سلام
وليد

!!! عارفة ... مش عارف ليه يقول...

Angel
******
صباح الخير عبير

طبعاً كالعادة أشكر فيكي تواصلك الذي يخلجني كثيراً
والحمد لله أني أجبت على سؤالك قبل أن تسأليه

طبعاً أنا أسف أني كنت سبب في إن دموعك تخونك وتهرب منك

نعم كلنا شوقى
ولدينا لوعة لهذا الوطن

ربنا يتوب علينا كلنا من الغربة

وليد

!!! عارفة ... مش عارف ليه يقول...

همس
*****
طبعاً هذه الكلمات الرقيقة
منطقي جداً أن تخرج من همسات قلمك

تحياتي
وليد

فراشة البساتين يقول...

وليد
============
عجبنى جدا اسلوبك فى الكتابة

وتعبيراتك المختلفة

والمتباينة مابين رحلة الذهاب والعودة

وصف الحالتين فى منتهى الروعة

زى مثلا ساعة الهبوط فى رحلة الذهاب

… واحتضنت عجلات الطائرة أرض المطار بشوق كل لحظات الغربة.

وفى رحلة العودة

أفقت على اصطدام العجلات بأرض
المطار

اعجبنى جدا المزج والتناسق بين
حركة الناس
وحالتك النفسية
ووصفك حركة الطائرة
مزجت بينهم بتداخل رائع

بصراحة
القصة متكاملة وحلوة جدا

PrInCeSS BeRy يقول...

حلو اوى البوست بجد والجميل ما تذكرتة من كتابات جاهين

وسردك جميل ومشوق تحياتى لك

Ahmed Kamal يقول...

مش قادر أقول لك يا وليد كلماتك شدتني قد إيه ، زي ما أكون مفتقد حب الوطن و الاشتياق إليه و أنا فيه ، فشربت كلماتك و انت بتقرب و و انت بتبعد ، و في الآخر رجعت عطشان ! علشان لسه بلدنا مغرباك و مغرباني ، و ما فيش طيارة تقدر ترجع اللي متغرب جوه بلده ..

تحياتي

ادم المصرى يقول...

بوست رائع بجد بجد يمان مشاء الله عليك ربنا يبارك فى مدونتك وتبدعنا ديما كدا

Jana يقول...

شدنى فى البداية اسمك الرمزى .. عنوان احلى اغانى الحجار
شهرين فى اسكندرية ... حين تعود تشعر وكأنهم يومان
أتوحشها دوما وانا بها .فلم أغادرها ابدا اكثر من اسبوع

رافقتك السلامة اينما كنت

تدوينة تثير الحنين لكل ما هو مُفتقد

تحياتى وتقبل مرورى الاول

كيكى عوووووو يقول...

عووووووووووووووووووووووووووو
انا جيت اتخديت
............................
ايييييييييييييييييييييييييييية
دة بجد
كل مرة بتتفوق على نفسك
بجدمش ممكن
اةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة
منها الغربة ومن ايامها
اةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة
................................
وليد
بجد
بجد
احييك
انا حاسة انك خاطفتنى بالقصة دى
من مكانى بجد
احييييييييييييييييييييييييييييك
................................
دومت مبدعا سيدى
......................
وربنا يخليك ويسعدك على طولللللللللللللل الخط
عوووووووووووووووووووو




بجد
اتخديت
عوووووووووووووووووووووووو

كلام وخلاص يقول...

انا سافرت مع اللى سافر ورجعت مع اللى رجع والاحلى انى فضلت فوق جنب القمر وصراحة مش عاوزة انزل
تعبيرك جميل اوى
سلام

mostafa rayan يقول...

يظهر ياوليد ان السكة مش باين لها اخر والبير مش عايز يجف رغم ان التور تعب ..اه والله ياوليد تعب
تحياتي ليك يا اخي

mostafa rayan يقول...
أزال المؤلف هذا التعليق.
Mona Shereif يقول...

وما بين الرحلتين شهرين ونصف ساعة

ايه الدقة دى
مش جديد عليك اسلوبك الجميل ده

نونو يقول...

عاارف بسطتك فى التعبيير احلى صفة عندك
اتمنى ليييك النجاح
دومت مببدعا

!!! عارفة ... مش عارف ليه يقول...

wfire bird
***********
دوما ملاحظاتك قوية
وقرائتك متأنية لكل التفاصيل

يسعدني تواجدك
المتأمل لكل حرف يقرأه

تحياتي
وليد

!!! عارفة ... مش عارف ليه يقول...

PrInCeSS BeRy
***************
ايوة بيري
الرباعية دي هي مربط الفرس

تحياتي
وليد

!!! عارفة ... مش عارف ليه يقول...

أحمد كمال
**********
فعلا مافيش طيارة تقدر ترجع اللي متغرب جوه بلده

ودي أصعب اووي من الغربة اللي بره لان هنا عندك مبرر تقبل بيه الغربة

طب وفي حضن وطنك تقول ايييييية

ربنا يرجنا كلنا بالسلامة بره وجوه

تحياتي
وليد

!!! عارفة ... مش عارف ليه يقول...

ادم المصري
**********
ربنا يخليك يا ادم
كلامك جميل وبيشجعني اوووي

أتمنى دايماً اكون عند حسن الظن

تحياتي
وليد

!!! عارفة ... مش عارف ليه يقول...

jana
*****
طب الحمد لله الاسم اهو جايب نتيجة :)
فعلا هي من أحلى اغنية للحجار

اسكندرية دايماً منورة بأهلها

سعدت جداً بمرورك الأول
وإن شاء الله ميكونش الاخير

تحياتي
وليد

!!! عارفة ... مش عارف ليه يقول...

كيكي
******

دايماً ترفعي
من معنوياتي

وخصوصاً الكلام ده من حد
بيقرا كويس اوووي


ربنا يخليكي

تحياتي
وليد

!!! عارفة ... مش عارف ليه يقول...

كلام وخلاص
*********

اوووووووووعي تنزلي
مفيش أجمل من انك تكوني جنب القمر

بجد بجد احساس لا يضاهى

تحياتي
وليد

!!! عارفة ... مش عارف ليه يقول...

mostafa rayan
**************

أيوة يا درش مش باين لها أخر
وهيفضل يلف علشان مش شايف انه بيدور في دايرة ملهاش اخر
وهيفضل كده لحد ما يطب ساكت

سلام يا صاحبي
وليد

!!! عارفة ... مش عارف ليه يقول...

sometimes
**********

الدقة دي سببها أن الشهرين مكنش لهم وجود وان الرحلة هي كانت النص ساعة بس اللي بين هبوط الطيارة في الوصول وطيارنها في العودة
بسسسسسسسسسس نص ساعة دي كل الحكاية

اشكر دوماً متابعتك الدؤبة

تحياتي
وليد

!!! عارفة ... مش عارف ليه يقول...

نونو
*****

والله ممكن يكون كلامك صح يا نونو
بس دي مش حاجة مقصودة أو متعمدها
هي بتيجي كده

إذا كان كلامك الكبير ده بينطبق عليا

دومت بكل خير
وليد

رشا عبد الرازق يقول...

حاجتين خرجوني من مدونتك _ بعد قراءة الرحلة_ على غير ما دخلتها
اولا تفاصيل السفر وتحديدا المطار
أنا رحت المطار ورجعت منه قبل 13 سنه مرات متتعدش
كنت صغيره
بس كان كل شيء ليه ملمح احساس
وسعات ريحه
وساعات صوت
ومن وقتها
الاحاسيس دي مفقوده
ظروفي اتغيرت ومبقتش أسافر ده صحيح
بس بردو أنا اتغيرت
والدنيا اتغيرت
ومنحنى الجمال برّانا _ في الواقع _هبوطه سريع


الحاجه التانيه
أن من اكتر الحاجات اللي بتحسسني بالحزن الهادئ
أن يكون ما اتوقعه وانتظره
أكبر بكثير مما أجده
لحظتها
متقدرش تعترض
لكن بتحس بحاجه بايخه
متقدرش غير إنك تتقبلها وتكمل وانت مبتسم
يمكن ابتسامه غريبة ملهاش معنى منطقي إلا جواك

:) تحياتي

!!! عارفة ... مش عارف ليه يقول...

رشا عبدالرازق
**************
تفاعلك عالي اوووي
ويمكن اكون حسيت احساسك
بس معرفتش اعبر عنه زي ما عبرتي

متشكر اووي لكلماتك المضيئة

تحياتي
وليد

بنت من زحل A girl from Saturn يقول...

عجبنى جدا تشبيهك للقمر كانه واحد صاحبك وبتمشوا على البحر سوا
وكمان تمثيلك للشمس انها كائن حى بيستحى عجبنى جدا
وكمان عجبنى وصفك للمنتظرين طائرتهم
وانا الصراحة من ضمن اللى بيحب يتابع الناس فى تحركاتهم وبافرح لما الاقى ناس راجعة تقابل اهلها بعد طول فراق وناس تانية فى عنيها الف دمعة عشان مفارقين ومش عارفيين لحد امتى
بوست جميل جدا

!!! عارفة ... مش عارف ليه يقول...

Nour
************
شكراً جزيلاً على كلامك الرقيق
تذوقك عالي لكل الصور المجازية الموجودة في البوست .. أنت شخص ودود أسعد دوماً بزيارته وبرأيه فيما يقرأ ورأيك في "حدوته قمر 14" أسعدني فيه رأيك الصريح والذي يدل على إهتمامك بكل تفصيلة وكل كلمة تقرأيها

أشكر تواصلك الرقيق
وليد

Powered By Blogger
All Rights Reserved © Waleed AlZhairy - 2008/2013

وليد الزهيري © 2008. Template by Dicas Blogger.

TOPO