الثلاثاء، 20 مايو 2008

سكوت ح نصور … سيمفونية شاهين


أعتقد البعض أن فيلم "سكوت ح نصور" كبوة للمحارب القديم سقط فيها متناولاً موضوع مستهلك قديماً وحديثاً من حيث الخيانة والابتزاز ووقوع الفريسة في براثن المحتال … الخ من مفردات السينما التجارية، والفيلم منفصل تماماً عن سينما شاهين ولا يمت لها بأي صلة

هكذا صورته بعض الأقلام ممن شاهدوه وكتبوا عنه ومن خلال ذلك تبدو سطحية العمل، لكن من يشاهد تاريخ يوسف شاهين تحت المجهر يدرك أن "سكوت ح نصور" جزء من كل وهذا ما يميز أفلامه، عندما تشاهد الفيلم على خلفية ما سبقه من أفلام تجد أنه ينتمي لنفس المدرسة

إن شاهين من رواد سينما المؤلف في العالم العربي فهو وإن صح التعبير (مفكر سينمائي) فكما نرى كتاباً ما لمؤلف ما يعرض من خلاله أفكاره وتحليلاته … كذلك هو أفلامه دائماً تدعو إلى التأمل وقراءة ما بين السطور وإدراك قدراته الهائلة في إدارة فريق العمل من تصوير وإضاءة وموسيقي ومونتاج وحركة الممثل مستعرضاً بأدواته واقعنا الذي نعيشه خلال نصف قرن من الزمان

قدم شاهين العديد من الأعمال تنوعت بين مؤيد وداعم للثورة وإنجازاتها في " باب الحديد " و " فجر يوم جديد" إلي عاشق يسلط الضوء على واقع آخر قد وصل ببعض رجالات الثورة إلي حد الفساد مما أدى إلي الانكسار تحت وطأة هزيمة 1967 وكانت ملحمته السينمائية "العصفور" لنرى شخصية شاهين بارزة في العمل ومتمثلة في الصحفي "يوسف" الذي يتعرض لبؤر الفساد في المجتمع وقمع السلطة له ومنع نشر مقالاته الصحفية ـ كما يتعرض شاهين من خلال أفلامه السينمائية ـ ويقدم بكل وضوح وجرأة أسباب الهزيمة التي لم تكن من الخارج بقدر ما كانت من الداخل، ولمزيد من الضوء على تلك المرحلة كان فيلم "عودة الابن الضال"، ثم تأتي الثلاثية "اسكندرية ليه" و "حدوتة مصرية" و "اسكندرية كمان وكمان" بما تحمله من خلفيات سياسية واجتماعية

وتتوالى أعمال شاهين السينمائية من "وداعاً بونابرت" إلي "اليوم السادس" ليكون القاسـم المشترك فيها الصراع بين الأجيال وما يحمله كل جيل من متناقضات، ويوجه في "المهاجر" رسـالة تحذيريـة للمجتمع من خلال مشاهد حدوث ثورة في مصر الفرعونية بين أنصار إله ضد إله آخر ـ تاريخياً لم تحدث ثورات في تلك الفترة الزمنية ـ وهذه الرسالة تتشابه إلى حد كبير بالتي كانت في فيلم "لاشين العظيم" الذي تنبأ بثورة 23 يوليو قبل حدوثها

ويتناول في فيلم "المصير" الإرهاب الفكري من خلال ابن رشد "نور الشريف" والمعارضين لفلسفته رداً على منع عرض فيلم المهاجر بحكم قضائي، وفي نفس الإطار يتم طعن مـروان "محمد منير" في رقبته وبنفس الكيفية التي تعرض لها نجيب محفوظ على يد شخص لم يقرأ من الأساس أولاد حارتنا حتى يشرع في قتله بسببها، وفي "الآخر" نشاهد النظرة الفوقية للمجتمع الأمريكي وهيمنته على العالم والصلة الوثيقة بينه وبين التطرف وعقد نفسية شديدة الصلة بالأدب الإغريقي

يأتـي بعد ذلك "سكوت ح نصور" كجزء ثـاني من فيلـم "الآخـر" حيث يتعـرض لإفرازات حقبـة التســعينات ـ ويجب أن ننتبه لأسماء الشخصيات ـ لنجد الشخصـية الأمريكية متمثلة في لمعي "أحمد وفيق" بملابس رعاة البقر وأغنيته "تيك أواى" والذي يرمي بشباكه حول فريسته الثمينة المطربة ملْك "لطيفة" وعندما يكتشف أن الثروة انتقلت إلي ابنتها "روبي" تحول إليها ليعرض واقعنا العربي والسيطرة الأمريكية على موارد وثروات المنطقة، وكذلك نرى صراع الأجيال بين إبن الساق ناصر "مصطفى شعبان" الذي يحب ابنة المطربة ملك وبين الجدة "ماجدة الخطيب" حيث نجد الاستخفاف الدائم من جيل الكبار بجيل الشباب وتسفيه أفكارهم وعدم الثقة في قدرتهم على الإبداع والخلق حتى وهي تنوي تمويل جريدته

ويبرز التضاد بين شخصية لمعي وناصر معاني الإصرار والإرادة والرغبة في تحقيق الذات، ومن خلال أغنية لطيفة "تبقى أنت أكيد المصري" تحمل الكثير من المعاني وأن مصر التي أنجبت محفوظ وزويل وأم كلثوم وعبدالحليم قادرة على أن تنجب مثلهم وهي أمثلة معاصرة وليست كسابقاتها من أغنيات وطنية تتحدث عن حضارة المتاحف ومجدنا الزائل وكأننا نبكي على اللبن المسكوب، ويتجلى ذلك في مشهد حصول عبدالناصر على درجة الماجستير وتختفي كل الأصوات من على شريط الصوت فقط تكون الموسيقى التصويرية للأغنية مؤكداً على أن ما فعله محفوظ وزويل من الممكن أن يتكرر مرة أخرى وأن المد موجود فقط يحتاج لأن نرعاه

وبتعاون جميع شخصيات الفيلم ضد لمعي يأتي مشهد النهاية بكشف حقيقته أمام الجميع وفي كدر أكثر من رائع يقول لمعي أنه فشل هذه المرة لكنه سيحاول مرة أخرى، وبلغة شاهين السينمائية نرى في ذلك المشهد أن توحد العرب قد يحمي سيادتهم وثرواتهم

ونرى قوة شخصية النساء الثلاث وقدرتهن على التأثير في مجريات الأحداث، وذلك من سمات سينما شاهين بدايةً من "هنومه" في باب الحديد وصولاً إلي سكوت ح نصور مؤكداً على أن المرأة كائن لا يدعو للرثاء

ويقدم الفيلم تقنية جديدة في التصوير بالرغم من غياب رمسيس مرزوق عن العمل، ودائماً المبدعة ناهد نصرالله في الملابس وكلما اقترن أسمها بعمل فني تدرك أن له ثقل وقيمة فنية كبيرة، وموسيقى عمر خيرت الرائعة ، توحدت جميع أطراف العمل تحت قيادة المايسترو شاهين ليعزفون جميعاً سيمفونية … سكوت ح نصور


6 Comentários:

شادي أصلان يقول...

لقد ابحرت في عالم يوسف شاهين
ببساطه شديده ووجهة نظرك التي اتفق معها في معظم الاحيات
بجد عرضك كان جميل اوي وخصوصا ان يوسف شاهين مليء بالغموض والرموز
اتمني لك التوفيق ودائما موفق ان شاء الله

!!! عارفة ... مش عارف ليه يقول...

شادي اصلان

شكراً على كلماتك الرقيقة

ومعنى أن يثير يوسف شاهين حالة من الجدل بيننا سواء بالاتفاق او الاختلاف هذا يعني أنه موفق تماماً

سعدت كثيراً بمرورك من هنا

متمنياً دوام الصداقة

تحياتي

Three Wishes يقول...

قرأت التدوينة هذه، وفكرت كم ينقصني الكثير من المعلومات عن السينما المصرية بشكل خاص والسينما العربية بشكل عام

انا حقاً لا اعرف شيئاً عن يوسف شاهين سوى انه مخرج له الكثير من المعجبين، وشهرته تجاوزت العالم العربي

لكني وبصراحة اقولها لك، انا لا اعرف لماذا وبماذا اشتهر يوسف شاهين. اعرف انه حصل على عدة جوائز عالمية على افلام منها ابن النيل على ما اعتقد

المشكلة اني لم اهتم يوماً بما يصنع في العالم العربي، هذا خطأ اعرف ذلك، لكن الظروف والبعد الجغرافي عن المنطقة ساهما بذلك بشكل قوي. رغم اني اتابع الاعمال العربية في مجال الأفلام القصيرة فقط، لكن عدا عن ذلك لم احاول حتى ان اقترب لأتعرف

أطيب التحيات

حبيبـــــــة القمـــــر يقول...

السلام عليكم
قرأت اغلب ماكتبت في المدونه
وللحق لست من متابعي السينما المصريه
ولست من محبي شاهين وافلامه التي تثير في نفسي الحنق احيانا كثيرة ..
ومع هذا لن انكر ان له افلام تعد من اروع ماقدمته السينما المصريه

احييك على اسلوبك الجميل في الطرح والتناول حقيقي استفدت واستمتعت

!!! عارفة ... مش عارف ليه يقول...

Three Wishes

السينما العربية تستحق أن تنال قدر من إهتمامك ومن الممكن الان التجاوز عن البعد الجغرافي لتوفر هذه الأفلام على النت وأيضاً على القنوات الفضائية.

وهناك العديد من المخرجين الذين قدموا أعمال كان لها أصداء عالمية
وشاهين وأعماله تعد من كلاسكيات السينما المصرية وسأذكر لك عمل من أعماله إذا أردت البحث والتعرف على عالمه وهو فيلم العصفور

وبالنسبة لبقية المخرجين المهمين سأذكر لك عمل يعد من افضل اعمالهم من وجهة نظري المتواضعة ومنهم عدد من المخرجين يعد من جيل شاهين مثل توفيق صالح ـ درب المهابيل، صلاح أبوسيف ـ السقامات ، كمال الشيخ ـ اللص والكلاب، بركات ـ الباب المفتوح، وشادي عبدالسلام قدم فيلمه الروائي الوحيد المومياء

ومن الجيل الذي يليهم في بداية الثمانينيات محمد خان ـ موعد على العشاء، عاطف الطيب ـ البرئ، علي بدرخان ـ شفيقة ومتولي، خيري بشارة ـ الطوق والأسورة، رأفت الميهي ـ للحب قصة أخيرة، داود عبدالسيد ـ لم أستطيع المفاضلة بين فيلم البحث عن سيد مرزوق وفيلم أرض الخوف

وفي بداية التسعينيات يسري نصرالله ـ سرقات صيفية، شريف عرفة ـ الأرهاب والكباب، ورضوان الكاشف ـ قدم فيلم يعد من أهم ما أنتجت السينما المصيرية ـ عرق البلح،

وأخيراً في إنضم إليهم خالد الحجر ـ أحلام صغيرة، هاني خليفة ـ سهر الليالي، هالة خليل ـ أحلى الأوقات، ومروان حامد ـ عمارة يعقوبيان

وفي الختام يبقى مشهد محمود المليجي في فيلم الأرض ليوسف شاهين عندما تحدث عن نضاله في المقاومة "وان شوت " من أروع المشاهد في تاريخ السينما المصرية على الإطلاق

و,ارجو أن أكون قد وفقت في تقديم موجز يساعدك في التعرف على السينما المصرية

شكراً جزيلاً لأهتمامك بمتابعة المدونة

!!! عارفة ... مش عارف ليه يقول...

حبيبـــــــة القمـــــر
وعليكم السلام

شكراً لتحيتك الرقيقة المهذبة

سعدت كثيراً إنك استمتعت بوقتك هنا وهو شعور متبادل عندما قمت بزيارة مدونتك

شكراً جزيلاً مرة أخرى مع أطيب تمنياتي بدوام التواصل

Powered By Blogger
All Rights Reserved © Waleed AlZhairy - 2008/2013

وليد الزهيري © 2008. Template by Dicas Blogger.

TOPO