كود
الأربعاء , 09:00 ص
دفعني إلى داخل حجرة التحقيق:
ـ تمام يا فندم.
نهض من أمام مكتبه، دك الأرض بخطوات هادئة
منتظمة، دار حولي دورة كاملة، التفت ناحية شخصان جالسان بأقصى زاوية الحجرة، يرتدي
أحدهما معطف أبيض يطوق رقبته بسماعة، تفرس الآخر الأنيق ملامحي من أسفل نظارته مدوناً
كل شاردة وواردة، عاد للجلوس خلف مكتبه قائلاً:
ـ أسمك، وسنك، وشغلك؟
ـ مؤيد عبدالحليم، 28 سنة، مهندس اتصالات.
رمقني بنظرات حادة:
ـ ما هي أقوالك فيما هو منسوب إليك بمشاركتك
في مظاهرة يوم 9 من الشهر الجاري؟
ـ انا مش بتاع مظاهرات، كنت ماشي في الشارع
زي بقية خلق الله.
ـ هتستعبط يا روح أمك، والعساكر اللي اعتديت
عليهم بالضرب والسب أثناء تأدية عملهم يبقى أيه؟
ـ أنا لا ضربت ولا سبيت، شوفت في الشارع ناس
بيعتدوا على بنت، حاولت أخلصها من أيديهم.. لقيتني هنا عندكم.
وضع يده على مجموعة ملفات فوق مكتبه:
ـ مفيش فايدة من الإنكار.. كل زمايلك اعترفوا
؟
ـ أنا ماليش زمايل.
صرخ في وجه العسكري الواقف خلفي:
ـ مش هتشوفوا شغلكم ولا أيه، يجيلي جاهز بكرة
.
أنقض على كتفي بيده الغليظة، مؤدياً التحية:
ـ تمام يا فندم.
أغلق الباب خلفنا وهو يدفعني أمامه في ممر
ممتد على يمينه زنازين النساء من (10 إلى 6) وعن يساره حجرات مظلمة تنبعث منها
رائحة عطنة، في نهايته انعطفنا يميناً إلى ممر موازي على يمينه زنازين الرجال من
(5 إلى 1) ويساره حجرات مظلمة تنبعث منها نفس الرائحة العطنة، والقى بي في زنزانة
(1)، مشيراً إلى أخر المحتجزين معي بالخروج للتحقيق بعدما اعترف كل من جاءوا معنا
وتم ترحيلهم.
الأربعاء , 11:00 م
سمعت خطواته الغليظة تتجه نحوي، سبق دخوله
صرير الباب، دسست علبة سجائري في بنطلوني، غمرني الضوء المنبعث من وراء الباب،
تقوقعت في جلستي على الأرض مدققاً النظر، تقدم خطوتين حاجباً ببنيانه الضخم الضوء عني:
ـ فز قوم قامة قيامتك.
نهضت، متقدماً نحوه، جذبني للخارج بالممر
مغلقاً الباب:
ـ في تحقيق سواريه، بعد نص الليل يا شاويش؟
دفعني أمامه:
ـ لأ يا خفيف، الزنزانة كبرت عليك بعد ما كل ما
زمايلك اعترفوا.
ـ مش هاعترف بحاجة معملتهاش، حتى لو مشيتوا
على الحيط؟
قبل أن ينعطف إلى الممر الموازي نحو حجرة
التحقيق، فتح باب زنزانة (5)، ودفعني بداخلها:
ـ علشان لماضتك دي، هتشرف هنا لوحدك، في وارد
جديد الليلة لزنزانة (1).
وأغلق الباب.
تلمست جدران زنزانتي الرطبة الضيقة، أشعلت
سيجارة، شاهدت على ضوئها رسومات بقلم رصاص وعبرات التنديد بالظلم والقهر، استمرت في
اكتشاف مكان إقامتي الجديد، دفعت قدماي بشيء صغير إلى أحد الأركان، مشيت خلف مصدر
الصوت إلى أن اهتدت يدي إلى (كعب قلم رصاص)، جلست مكانه ممداً قدمي أمامي، وضعته
بجوار السيجارة في فمي.
الخميس , 01:00 ص
اعتدلت في جلستي على صوت جلبة عارمة بالممر،
أقدام غليظة تركل المؤخرات.. عصي تنهال على الظهور.. صرخات الآلام تتعالى.. يعلو
فوقها صوت السباب، وأبواب الزنازين تفتح وتغلق سريعاً، أمسكت بقضبان نافذة الباب
محاولاً تبيان خيالات الوارد الجديد، متشبثاً بأهداب الأمل ، إلى أن خبت أمالي مع
نيران سيجارتي.
هويت محبطاً .. يائساً .. أسفاً .. واضعاً
رأسي بيني ركبتي ويدي، إلى أن سمعت صرخات فتاة وارتطامات بجدار زنزانة (6)
الملاصقة لزنزانتي، تعالت الصرخات والارتطامات، وثبت على أطراف أصابعي اسرع في خطواتي
قاعاً زنزانتي طولاً وعرضاً، وكلما سمعت ارتطامها بحائط زنزانتي أهرول مصطدماً بالحائط
محاولاً دفعهم عن صاحبة الصرخات، حاولت
مرات ومرات أقذفهم بـ (القروانة) تارة .. بالمعلقة تارة ، إلى أن هويت على الأرض
لا يفصل بيني وبينهم سوا جدار، خارت قواي إلى مجرد النقر على الحائط بأظافر أصابعي
حتى نال التعب مني ومنهم.
بعدما هدئ كل شيء ، نقرت على الحائط الجالس
بجواره الفاصل بيني وبين زنزانة (6)، سمعت الرد بنفس النقرات، أعدتها.. وأعادتها، أشعلت
سيجاره، نظرت نحو النافذة، مخرجاً زفيراً معبأ بدخان سيجارتى المتسلل من بين
قضبانها. سحبت شهيقاً عميقاً وكتمته فجأة، ثم بحثت عن علبة سجائرى في ملابسى، فككت
العلبة وجعلتها ورقة مسطحة، أمسكت بـ (كعب القلم الرصاص) وبدأت في كتابة أحرف
الهجاء جميعاً وبجوار كل حرف ما يعادله في (شفرة مورس):
أ
|
. ـ
|
ب
|
ـ
. . .
|
ت
|
ـ
|
ث
|
ـ
. ـ .
|
ج
|
. ـ ـ ـ
|
ح
|
. . . .
|
خ
|
ـ
ـ ـ
|
د
|
ـ
. .
|
ذ
|
ـ
ـ . . .
|
ر
|
. ـ
.
|
ز
|
ـ
ـ ـ .
|
س
|
. . .
|
ش
|
ـ
ـ ـ ـ
|
ص
|
ـ
. . ـ
|
ض
|
. . . ـ
|
ط
|
. . ـ
|
ظ
|
ـ
ـ . ـ
|
ع
|
. ـ . ـ
|
غ
|
ـ
ـ .
|
ف
|
. . ـ
.
|
ق
|
ـ
. ـ ـ
|
ك
|
ـ
. ـ
|
ل
|
. ـ
. .
|
م
|
ـ
ـ
|
ن
|
ـ
.
|
هـ
|
. . ـ
. .
|
و
|
. ـ ـ
|
ي
|
. .
|
ء
|
.
|
1
|
. ـ ـ ـ ـ
|
2
|
. . ـ ـ ـ
|
3
|
. . . ـ ـ
|
4
|
. . . . ـ
|
5
|
. . . . .
|
6
|
ـ
. . . .
|
7
|
ـ
ـ . . .
|
8
|
ـ
ـ ـ . .
|
9
|
ـ
ـ ـ ـ .
|
0
|
ـ
ـ ـ ـ ـ
|
المناداة
|
. ـ . ـ . ـ . ـ
|
الابتداء
|
ـ . ـ . ـ
|
الانتهاء
|
. ـ . ـ .
|
الخميس , 09:00 ص
عبث المفتاح بالباب، نهضت مكوراً ورقة
السجائر في يدي، أغلق الباب من خلفي، انعطفنا يساراً نحو الممر الموازي وعندما
اقتربت من باب زنزانة (6) القيت بورقة السجائر داخلها من نافذة باب زنزانتها.
دخلنا عليه حجرة التحقيق، كان منهمكاً في
مكالمة هاتفية، بادياً عليه التوتر والتركيز الشديد:
ـ تأمر معاليك، ساعة زمن وأكون عندك يا باشا.
دك العسكري الأرض بقدمه:
ـ تمام يا فندم.
سقطت السماعة من يده:
ـ في أيه يا حيوان؟
ـ المتهم يا فندم.
نهض من على مكتبهً، ممسكاً بسترة بدلته، وخرج
مسرعاً وهو يرتديها:
ـ رجعه زنزانته مش فاضي له، السبت الساعة (8)
يكون قدامي:
الخميس , 10:00 ص
جلست بجوار الحائط الحائل بيني وبينها،
وأمسكت بيد ملعقتي وبدأت أرسل لها أولى رسائلي مستخدماً (شفرة مورس)، نقرت
بالملعقة على الحائط عدد النقرات والشرط المناسبة:
ـ أسمك أيه؟
وضعت اذني على حائطها منتظراً، إلى أن جاءني
ردها من نقاط وشرط (شفرة موريس)، حاولت ترجمته إلا أنه كان غير مفهوماً، أعدت
رسالتي عليها، وجاءني ردها غير مفهوماً، وكررت محاولتي الثالثة، حتى استطعت ترجمة ما
بعثته:
ـ فاتن .. وأنت؟
اعتدلت في جلستي مبتهجاً لتمكنها من استيعاب
الشفرة:
ـ مؤيد، أيه اللي حصل عندك امبارح؟
ـ اتقبض علي في مظاهرة.
ـ أيوه.
ـ دخلوني هنا ونزلوا في ضرب، واتهجموا علي،
وكل ما اقاومهم يزودوا في قلة أدبهم، بس محصلش حاجة والحمد لله، هددوني لو معترفتش
يوم السبت هيكملوا..
ـ كان نفسي أهد الحيطة اللي بينا وأنقذك من
بين ايديهم.
صَمتت ، وصمتٌ لبعض الوقت ..
الخميس , 01:00 م
ـ جتلك فكرة الكتابة دي ازاي؟
ـ أنا مهندس اتصالات، والشفرة دي حاجة عادية
في شغلنا.
ـ بس فكرة جميلة.
نظرت للحائط ملياً:
ـ أعدل الياقة بقى.
ـ هاهاهاها .
ـ وأنت اتعلمتيها بسرعة.
ـ حاولات ، أنت طولك قد ايه؟
ـ 180، وأنت؟
ـ 169 .
ـ بتشتغلي؟
ـ أنا طالبة في حقوق.
ـ وما أكثر الحقوق الضائعة في بلدنا.
ـ أنت فيلسوف بقى.
ـ متخديش في بالك.
الخميس , 03:00 م
جلست أأكل متابعاً:
ـ بتحب تاكل أيه؟
ـ المكرونة، وأنت؟
ـ القلقاس، فينه دلوقت.
ارتكنت على الحائط، وأنا أشرب سيجارتي:
ـ بتحب تسمع مين ؟
ـ منير ، وأنت؟
ـ الحجار.
ـ مفيش فرق بينهم.
ـ فعلا.. الاتنين أصحاب قضية.
الجمعة , 02:00 ص
ـ مرتبطة؟
ـ كنت.
ـ والسبب؟
ـ كانت خطوبة صالونات، كان مهندس بترول في
البحر الأحمر.
ـ ايوه..
ـ كان مكلف صديق له يراقبني، علشان يعرف
أخلاقي.
ـ غريبة.
ـ الأغرب، إنه طلب من صديقه يعاكسني علشان
يشوف مدى استجابتي للمعاكسات، وصديقه لما شاف إني حد محترم، صارحني بكل حاجة وطلب
أيدي للجواز.
قطعت زنزانتي طولاً وعرضاً، أنفث سيجارتي،
وعدت للجدار الحائل بيننا، أنقر بملعقتي:
ـ وبعدين.
ـ فسخت خطوبتي، وطبعاً رفضت صديقه.
ـ وليه خطيبك كان عمل كده اساساً؟
ـ بيشك في صوابعه، علشان..
ـ علشان أيه؟
ـ حلوة حبتين..
الجمعة , 10:00 م
ـ وأنت؟
ـ أنا أيه؟
ـ مرتبط؟
ـ حالياً لأ.
ـ وقبل كدة حبيت؟
ـ مقدرش أقول أه ومقدرش أقول لأ.
ـ دي غنوة؟
ـ عارفة أنت الحب الأفلاطوني؟
ـ أسمع.
ـ حصل معايا في الجامعة.
ـ وبعدين .
ـ مقدرش أنكر كانت فعلاً مشاعر صادقة.. لكن
ساذجة.
ـ وايه اللي حصل.
ـ زي ماظهر حبي لها فجأة .. أختفى فجأة.
السبت , 06:00 ص
ـ فاضل ساعتين ويحققوا معنا، هتعملي أيه؟
ـ مش عارفة، أنا فعلا معملتش حاجة، وخايفة لو
مقولتش اللي عايزينه، يبهدلوني.
ـ اسمعي، أنا هعمل معاهم (ديل).
ـ أزاي.
ـ هاعترف لهم باللي عايزينه .. بشرط يفرجوا
عنك.
ـ أنت مجنون.
السبت , 08:00 ص
دخلت إلى حجرة التحقيقات برفقة العسكري، بدت نواجذ
الضابط وهو ينظر إلى ذلك الشخص الأنيق الجالس بجوار الطبيب في الزاوية، مشيراً للعسكري
بغلق الباب.
خرجت من مكتبه بعدما وقعت على الاعترافات
المطلوبة نظير صفقتي معه، عائداً إلى زنزانتي، لمحت باب زنزانة (6) مفتوحاً، تهللت
فرحاً لنيلها حريتها، نظرت داخل الزنزانة، رأيت عسكري يحمل سماعات وجهاز تسجيل، وهو
يحمله ضغط على أحد الأزرار بأصبعه، انبعث من جهاز التسجيل، صوت صرخاتها.
ـ تسمرت مكاني.
دفعني العسكري إلى الأمام ضاحكاَ:
ـ هاهاهاهاهاهاها.
ـ النهاية ـ





رائعة ذات ختام مفاجئ غير متوقع بالمرة .. لكنه مناسب جدا للخبرات المخابراتية
وجعت قلبى
حرام عليك
قلبنا بيوجعنا
من القراءة ايش
حال من يحدث له كل
هـــــــــــــــــذا!!
حسبنا الله ونعم الوكيل
رائع كعادتك دائما
يا استاذ وليـــــــــد
ـمت صدقت والله وعيشت مع القصة
للنهاية وفوجئت فى الآخر
بنهايةمؤلمة
بس مبدع ومحترف فى الحبكة الدرامية
خالص اعتزازى
thx
شركه تنظيف
thx
كشف تسربات المياة
غسيل خزانات
شركة نظافة عامة
thank you
سعودي اوتو
إرسال تعليق