السبت، 8 نوفمبر 2014

في المعقول


صعد درجات السلم لاهثاً ومن خلفه زوجته النحيلة المشرفة على الخمسين وأبنته الأصغر ذات الأربعة عشر عاماً، شغلت نقرات منسأته لحظات السكون كلما صمت المقرئ أثناء تلاوته لآيات الذكر ، تعلقت أعين المعزين بالباب لرؤية صاحب النقرات المهيبة .. تشبث بالباب المصقول المشرع ، وتقدم بخطوات مثقلة في باحة البيت الرحبة ، لمح بطرف عينيه زوجته بملابسها السوداء وأبنته يدلفان إلى الحجرة المجاورة ، وهن يجلسن بين النساء .

تلقفه أهل المتوفي ، مد يده متمتماً :
ـ البقية في حياتكم.

اصطحابه أحدهم ، ترك عكازه بين قدميه وهو جلوس ، خفض عينيه يهندم هيئته، أعجزه (كرشه) المتضخم عن ضم سترة بدلته الرمادية ، أنصت للتلاوة متبادلاً بين حين وآخر نظراته مع زوجته وابنته وهن في الحجرة المقابلة :

 ((وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ))

مرر يده على صلعته الممتدة ، مجففاً عرقه دون أن ملامسة البقية الباقية من شعره الأبيض ، ترقب وصول المار بين المعزين يحمل فناجين من القهوة ، وهو يتحرك بروية خوفاً من فقدان (وش) الفنجان . أعتدل في جلسته عند وصوله إليه ، ودنا منه هامساً في أذنه :
ـ كوباية شاي ، لو سمحت.

نظر إليه مستغرباً ، وسأله:
ـ سكرك أيه ؟

اجابه بهمس:
ـ في المعقول.

وهو يمد على قدر ما يستطيع في قوله (المعقول) ، تابع خطوات المضيف وهو ذاهباً لتلبية طلبه، مستمراً في إنصاته للمقرئ :
((وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ))

تشاغل بمحاولات خفض (كرشه) ليرى موضع منسأته على الأرض ، انفرجت اساريره عندما رأى كوب الشاي الأحمر القاني في طريقه إليه ، تتصاعد منه الأبخرة المتلاشية في الفراغ.

أمسك بكوب الشاي ، ودنا به نحو فمه .. جذبت يد أبنته كوب الشاي من على فمه، عائدة لمجلس النساء .. قائلة بصوت مسموع :
ـ علشان السكر والضغط .

بادل نظرات المعزين بابتسامة بلهاء ، متشاغلاً بمحاولات خفض (كرشه) ليرى موضع منسأته على الأرض.


6 Comentários:

رحاب صالح يقول...

جميلة

L.G. يقول...
أزال المؤلف هذا التعليق.
Unknown يقول...

كااان حيشرب
الشاى ويتهنى :)
دا يمكن رايح العزا
لأجل ما يهرب من التحكمات
دى ويشرب الشاى (بسكر على مزاجه)

Unknown يقول...

جميلة لقطتك
الحياتية وكعادتك
يا استاذ وليــــــــد
بكلماتك تكتب وتصور
فى آن واحــــــد

يا مراكبي يقول...

في المعقول .. عنوان تم تفسيره في النهاية، فالكلمة مطاطة للغاية لا تدل على قليل ولا كتير، وكل ما فيها نسبي للغاية، وهنا كانت الآيات القرآنية المصاحبة للمشهد تدل على فرض الوصاية من الصغير على الكبير (وهو ما لا يقبله الكبير) بسبب الإختلاف في تفسير كلمة المعقول النسبي

Maha Shahen يقول...

عجبتنى جدا .. حسيت انى شايفه كل لقطة بتوصفها

بس كنت عايزه اعرف ليها نهاية كأنها قصه بتبدأ ولسه منتهتش

Powered By Blogger
All Rights Reserved © Waleed AlZhairy - 2008/2013

وليد الزهيري © 2008. Template by Dicas Blogger.

TOPO