الأحد، 13 أبريل 2014

حبل غسيل

ملئت "صابرين" سلتها البلاستيكية بأخر قطعة من غسيلها، استقامت في وقفتها واضعة يديها خلف ظهرها أعلى الحوض وهي تميل للخلف بجزعها متأوهة، أمسكت بجانبي جلبابها ورفعتهما عن الأرض قليلاً لتسكنهما ما بين ملابسها الداخلية وجسدها، انحنت لأسفل مرة أخرى ممسكة بسلتها مهرولة إلى الشرفة المطلة على الشارع بالطابق الثاني حابسة أنفاسها من ثقل سلة الغسيل.. الأخف ثقلاً من همومها.

يخلو الشارع في هذه الساعة الباكرة من نهارٍ صيفي إلا من بعض المارة وعصفورة تقف على أحد أسلاك "عامود النور" المجاور لشرفتها، تأملت عصفورتها دائمة التردد عليها كل صباح ربما للاستراحة أو لإلقاء التحية، رسمت على وجهها ابتسامه بشوشة ملوحة لها بيدها:
ـ صباح الخير.

هبطت إلى أحد أسلاك الكهرباء الأدنى من الذي تقف عليه في مناورة منها، تنقلت صعوداً وهبوطاً على بقية الأسلاك عندما أطمئنت إليها كأنها تتنقل على أسطر نوتة موسيقية تعزف سلمها الموسيقي الخاص بها مغردة بأنشودة الصباح، أمسكت بقطعة قماش بالية مبللة، وضعتها على بداية أقرب حبل غسيل لشرفتها ومضت لأقصى الشرفة ممسكة بالحبل في وسط القطعة المبللة حتى نهايته وانتقلت إلى الحبل الذي يليه خارجاً إلى أن انتهت من تنظيف حبال غسليها المقوسة لأسفل والمترهلة … كتلك الهالتان السوداويتان المترهلتان أسفل عينيها.

هبط عصفور أخر بجانب وليفته مغرداً ومتبادلا معها جملاً من الغرام أعقبها تلاقي منقارهما ورحلا بعيداً، وضعت "صابرين" ساعديها واحداً على الآخر فوق سور شرفتها متكئة عليه بصدرها مستذكرة عامها الخامس والثلاثون دون وليف يؤنس وحشتها، مكتفية بمشاهدة الدنيا من شرفتها دون التوغل في أحراشها، لا ترى منها إلا ما تشاهده خلف حبال غسيلها الأشبه بالقضبان.

وضعت مشبك الغسيل في فمها والأخر بيدها ممسكة بجلباب والدتها عصرته ونفضته في الهواء بقوة محاولة نفض همومها عنها، بدأت بأول حبل من الخارج مستمرة في نشر غسيلها متذكرة كل من دقوا على بابها.

هذا أراد خطبتها كي تعيش مع أمه لتخدمها، وخطيب اضطرته المخدرات أن يستعيد "شبكته" من أجل مزاجه، وذاك اشترط أن تسافر معه لبلد عربي لتعمل معه في عمل مجهول الهوية، وآخر طلبها كزوجة ثانية يأتيها في بيت أمها في غفلة من زوجته الأولى، وآخر أراد اغتنام فرصة أم عجوز أوشكت على المنية وابنة لن تبخل عليه بمجهودها حتى تعوله بدلاً من أن يعولها، وضعت المشبك بأخر قطعة نشرتها من ملابسها الداخلية التي كانت تحتفظ بها في "جهاز عرسها".

تركت شرفتها خلفها متوقفة أمام مرآة بوسط حجرتها في زاويتها اليسرى العلوية صورتها وهي في العشرين، شاهدت في المرآة ما يختبئ أسفل جلبابها المبلل بماء الغسيل الملتصق بجسدها، وضعت سلتها جانباً وزادت من إحكام جلبابها على مفاتنها متمايلة يميناً ويساراً مقارنة بين جسدها المترهل اليوم وبين ذاك القوام المشدود في الصورة بالأمس:
ـ أين ذهب هذا الجسد؟ ضاع هباءً دون أن أشعر بيد تسعى خلف مفاتنه وأهبه جسدي؟ ألم تثير مفاتني المتأججة بالأنوثة أي رجل؟ هل ملامح وجهي الدائرية السمراء الممتلئة تفتقر لمقومات الجمال؟
جرت دمعه على خدها متذكرة كلمات تندر بها البعض همساُ كلما نزلت للشارع "طلعت فوق السطوح هز الهوا كُمى.. كل البنات تتجوز وأنا قاعدة جنب أمي".

سمعت صوتاً خافتاً متهدجاً من الحجرة المجاورة:
ـ صابرين.. صابرين.

مسحت دمعتها بظهر يدها:
ـ جاية يا ماما.

تطلعت الأم لجسد ابنتها المبلل، غضت بصرها عنها قائلة:
ـ شوفت منام، ربنا يجعله من حدك ومن نصيبك.

جلست "صابرين" بجوارها على السرير، منتقية من على المنضدة الجانبية لسرير أمها علبة دواء "الضغط" وفتحت غطاءها:
ـ خير؟
ـ شوفت راجل طول بعرض، بدر منور، بيخبط على بابك.

ابتسمت ساخرة، وهي تناول أمها حبة دواء الضغط مع كوب الماء:
ـ محدش بياخد غير نصيبه.
ـ ربنا يهدي سرك يا بنتي؟

وضعت إبرة الأنسولين في زراع أمها:
ـ ربنا يخليكي لي يا ست الكل.

تابعتها أمها بعينيها وهي تتباعد في طريقها نحو مطبخ، متألمة من كل هذه المواد الكيميائية التي تشبع بها جسدها الهزيل، ولم تعد المسكنات قادرة على إسكات آلام حسرتها على ابنتها، لا تشغلها النهاية المحتومة لأمراض الشيخوخة.

عادت "صابرين" لشرفتها قبل مغيب الشمس، حررت ملابسها الداخلية من مشابكها.. أضاء مصباح "عامود النور" المجاور لشرفتها ليحجب "طربوش" المصباح ضوءه عن شرفة "صابرين" وتبقى دائرة الضوء منحصرة أسفل شرفتها، مارست هوايتها الوحيدة بمتابعة كل من يمر داخل دائرة الضوء الساقطة على أرض الشارع.

جارتها ذات الثمانية عشر عاماً تتأبط يد خطيبها سعياً خلف نزهة نيلية في نهاية الأسبوع، وثانية قادمة لزيارة أهلها ممسكاً بذيل فستانها طفلها الأكبر والأصغر على يديها، وثالثة ينزلها زوجها من على "فيسبا" وتواعده على أن يعود إليها يأخذها من بيت ذويها بعد قضاء أمسيته مع رفاقه بالمقهى ليتمما سهرتهما مع عائلتها، كلهن تزوجن أو ينتظرن.


رأتهن جميعاً أسفل شرفتها داخل الدائرة الضوئية، وبقيت هي في الجانب المظلم منها خارج دائرة ضوء "فتيات الأحلام".. لملمت غسيلها مثلما لملم الزمان سنوات شبابها.. مغلقة عليها باب شرفتها.

10 Comentários:

Hatem يقول...

تحفه ،،، تسلم ايديك ودماغك

Hatem يقول...

تحفه قصه قصيره جميله ورائعه ،،، تسلم ايديك ودماغك واحساسك

الجواز و سنينه يقول...

و كأنها اكتسبت من اسمها نصيب .. صابريين اسم على مسمى
و خيرا فعلت انها لم تستسلم لضغط المجتمع و هربت من وحتها لاحد المتقدميين لها ممكن لا يستحقون .. و إلا لبقت فى وحده دائمه
امتعتنا سلمت يداك على الوحه المتكاملة

الجواز و سنينه يقول...
أزال المؤلف هذا التعليق.
L.G. يقول...

احيانا عندما نقرأ أحزاننا بكلمات من لم يشعر بها اغتيالاً لكرامتنا مرة أخرى .

عوداً أحمد

ذراع :) الكاتب حرفته الحروف

♥نبع الغرام♥♪≈ يقول...

بجد عشت معاها تسلم الايادى

دمت بكل الخير أخى

Remas يقول...

رائعة القصة في كل شئ ومن جميع الجوانب
اثرتها التفاصيل الصغيرة المعبرة الدقيقة التى ابدعت في وصفها

قصة كتبت بقلم كاتب متمكن وعين فنان عاشق للصورة استطاع بحرفية ان ينقل لنا بحروفه صورة نابضة بالحياة



Mona Shereif يقول...

:)
ما شاء الله ولا قوة الا بالله
ربنا يبارك فيك يارب
والف الف مبروك لكل اللى انت حققته الفتره اللى فاتت
انا مبسوطه انى عرفت حد زيك كده

وبرضه احساسى دلوقتى زى اول مره قرأت حاجه ليك فى المدونه
جزاك الله كل خير على البسمة دى
جت فى وقتها بصراحه

شمس النهار يقول...

عجبني وصفك لمراحل نشر الغسيل من اول مسح الحبال الي وضع المشبك في فمهاالخ...
حسيت ان المراحل دي زي مراحل في حياتنا بالظبطت

يا مراكبي يقول...

لقطة من لقطات الحياة في كادر محدد واطار زمني محدود لكنه قال الكثير عن أحلام مؤجلة وأمنيات مكبوتة

Powered By Blogger
All Rights Reserved © Waleed AlZhairy - 2008/2013

وليد الزهيري © 2008. Template by Dicas Blogger.

TOPO