الجمعة، 14 فبراير 2014

كونشيرتو

ارتدت فستانها السوارية الأبيض الضيق الملامس طوله لحذائها احتفالاً بعيد زفافها الأول، نظرت في المرآة متمايلة واضعة يدها على خصرها حيث وضع يده ليلة عرسهما وهو يراقصها، اغمضت عينيها مستذكرة انامله حيث كانت .. سمحت فتحة الفستان الممتدة بطول ساقها اليسرى بخطوات رشيقة نحو مقعدها الوثير أمام مرآتها.

وزعت الكريم على بشرتها بابتسامة ماكرة برقت عندما تذكرت .. أنفاسه اللافحة لوجنتيها وهو يميل عليها اثناء رقصتهما ابتعدت حينها بخدها عن لهيب أنفاسه متجنبة أعين الراصدين في الصفوف الأولى لعرسهما ، جذبت نفساً عميقاً عائدة .. لمكياجها واضعة ظلالاً حول عينيها متجنبة النظر للسهام المنطلقة من أعينه وأنامله تداعب خصرها، استشعرت قبلاته المتطايرة تلامس شفتها السفلية المرتعشة وهي تضع أحمر شفاهها . فتحت علبة مجوهراتها ، معلقة قيراط ليلة زفافها في أذنها حيث لمستها شفتاه وهو يهمس لها وحدها :
ـ بحبك.

مالت برأسها على كتفه غير متمالكة لأعصابها متشبثة بكتفه ، وبادلته الهمس:
ـ أربع سنين كونسيرفتوار وأنا هموت عليك.

دنا برأسه حانياً على شعرها :
ـ اخدت بالي من نظراتك وسندويتشات الروزبيف .

طوقت بيدها رقبته وغزت أناملها شعره :
ـ كنت بتصعب علي .. وأنت مقطوع من شجرة لا أب ولا أم .

كتم ضحكته ساخراً :
ـ يا مجرمة.

انتبهت على ثلاث نقرات على باب حجرتها، لمحتها بطرف عينها تتقدمها نحوها بخطى متأدبة ، ووضعت أمامها بطاقات باقات الورود ببين أحمر الشفاه و زجاجة عطرها:
ـ التيوليب ..  يا ست هانم .

واستدارت مغادرة مغلقة الباب خلفها، قرأت أولى البطاقات " خالص شكري وتقديري .. بعدد الدقات الصادرة عن قلب أمي .. مودتي " نبتت ابتسامة صغيرة على شفتيها وهي تقرأ البطاقة الثانية "إليك .. خالص عرفاني وعرفان أسرتي بفضلك " اسدلت جفنيها ثم فتحتهما وهي تقرأ الثالثة " لولاك ما رأيت غداً مشرق .. محبتي لصاحبة لروح الجميلة " تابعت قراءتهم وهي تحركهم بطرف اصابعها الأصغر واحداً تلو الآخر ، لمحت في يسراها "دبلة زواجها " مستذكرة لحظة نقله الدبلة من يمينها إلى يسارها بعد مراقصته وسط تصفيق المدعوين.

اتسعت شفتاها بابتسامة عريضة حينما تذكرته مجدداً وهو يشير إلى أحد موظفي الفندق ، الذي تقدم نحوهما حاملاً آلتي "الكمان والفلوت" وضعت هي الكمان على كتفها بجوار طرحة عرسها، ولامس هو بشفتيه الفلوت ، وقدما التحية كعازفين للحاضرين الواجمين بابتساماتهم المشدوهة ، وعزفا "كونشيرتو موزار ـD Major " كما لم يعزفا من قبل، يلاحقها هو بأنفاسه المنبعثة من الفلوت ، وتراوغه هي هرباً على أوتار الكمان .

التهبت القاعة بالمصفقين غير مصدقين هذا العزف لذلك الحب الأسطوري .. الذي شهد جنباته "الكونسيرفتوار" و"دار الأوبرا" مسارحه وقاعات بروفاته، شق طريقهما بين المدعوين نحو جناحهما ، ارتمت في حضنه فور إغلاق باب المصعد عليهما .. حملها بين يديه مطوقته رقبته بيديها بطول الممر حتى باب جناحهما ، لم تستطع أن تنطق عندما شاهدت التيوليب يغمر سريرهما ، وضع طرف إبهامه على شفتيها ، قائلاً :
ـ الليلة هنا .. ومن بكرة إحنا والتيوليب على الساحل.

استفاقت على صوت سيارة تقف أمام باب الفيلا ، رشت ذخات من عطرها البارسي، وغادرت حجرتها منصتة لهمهماتهن وهي تهبط من عليائها :
ـ الهانم هنا ؟

اجابتهم منحنية :
ـ اتفضلوا .

دلفت أمها وصديقاتها إلى البهو بملابسهن السوداء، مستغربة مظهر ابنتها وهي تهبط درجات السلم بساقها المرمرية التي تظهر وتختفي كلما خطت خطوة ، ارتبكت نظرات امها هرباً من أعين صديقاتها ، تجاوزتهن ابنتها بقوامها الباسق نحو باقات التيوليب بالزاوية البعيدة والقابع بينها آلتي "الكمان .. والفلوت" ، التفت إلى نظرات أمها الذائغة وإليهن ، ولحقتهن بالإجابة على سؤالهن البادي في أعينهن :
ـ أنتم مفكرين إنه مات في حادثة عربيتنا في الساحل؟

تبلدت ردود أفعالهن جميعاً ، وهي متابعة :
ـ لما اتبرعت بأعضاء من جسمه مامتش .. روحه عاشت في أجسامهم.

مشيرةً إلى اصحاب باقات التيوليب ، تقدمت خطوات وأمسكت "بالكمان" وعينها على "الفلوت"  تتنسم أنفاسه تنبعث منه محيطة بها وبالتيوليب .. وعزفت له "كونشيرتو D Major ".

21 Comentários:

L.G. يقول...

هو أنا تهت منك في القصة كتير الصراحة وتحسها بعيدة قوي عن النموذج العربي

مش عارفة كنت مستنية بعد الغيبة ديه قصة محكمة
لولا اختلاف الرأي
دمت بخير

walzhairy يقول...

التوهة ممكن تكون معبرة عن حالة البطلة

المستوى الثقافي والإجتماعي للشخصيات ممكن يسمح لهم بهذا المنطق .. البعيد عن النموذج العربي


دمت بكل خير

Remas يقول...

القصة رائعة وكل تفصيلة فيها كانت لها معنى ودلالة خاصة
أعجبنى جداً اخنيارك لبطلة القصة المرهفة الحس .. الموسيقية.. صاحبة التفكير والمنطق المختلف واللذين جعلاها تفكر بنفس المنطق المختلف عندما تبرعت بأعضاء حبيبها ليظل حياً اكثر في أجساد اخرى
حتى اختيارك للتيوليب كان موفقاً جداً فقد قفزت اسطورته المتناسبة مع سياق القصة إلى ذهني حال قراءة اسمه

قصة جميلة .. راقية المعنى والكلمات كأسلوبك الراقي دوماً يا وليد

رحاب صالح يقول...

الله بجد جميلة اووي وتهت من الاحساس بالحب اللي مش حد بيعرف يحسه حاليا
بجد ما شاء الله عليك
تحياتي

!!! عارفة ... مش عارف ليه يقول...

والله لك وحشة ريم :)

رؤيتك وتقيمك اضاف للقصة مزيد من العمق والإثراء

دمت بكل خير

!!! عارفة ... مش عارف ليه يقول...

كل سنة وأنت طيبة استاذة رحاب ..
هابي فالنتين :)

غير معرف يقول...

حلوة قوى .... الحبكة محكمة والنهاية تحتمل اكثر من تفسير .... والتدرج طبيعى وغير مفتعل .... ارى اسلوبك يتقدم وخبرة الكتابة تضيف اليه ..... تحياتى

Unknown يقول...

قصة جميلة
انيقة الكلمات
والملامح والتصويـــر
اما التبرع بـــالأعضاء
فهذا مالا اوافق عليه

anna poly يقول...

رائعة فى النصف الاول اكتر
الوصف دقيق و معير و راق
كان فى تمهيد من اول كلمة ان فى مفاجأة فى النهاية توقعت موت البطل توقعت نهاية حزينة
الجزء الاخير مختصر شوية
فكرة التبرع بالاعضاء فيها واقعية و التسلسل من اوله رومانسى جدا
بس عموما جميلة

walzhairy يقول...

غير معرف
=========

شكراً جزيلاً :)

مودتي

walzhairy يقول...

norahaty
==========

قطعاً موضوع التبرع بالأعضاء محل خلاف دائم ومثيرة للجدل

أشكر لك تقديرك الجم وحسك المرهف :)

خالص تقديري

walzhairy يقول...

anna poly
=============

تفنيدك وتحليك موضوعي للغاية .. فالمفاجأة الدرامية ليست في موت البطل فهذا من الممكن ان يكون متوقع بالفعل .

ولكن المفاجأة تكمن في تبرع البطلة بأعضاءه لتراه مجدداً في آخرين ..

تحياتي :)

غير معرف يقول...

جميلة جدا انا تهت بس في جمال احساسها بالحب والحب الحقيقي هوا وفائها لحبيبها مع انها ممكن تكون لم تعش معه فترة طويلة بعد الزواج وده معناه ان الحب مش بيموت بموت الاشخاص لان في ناس عيشة والحب مات جواها وموتها وفي ناس زيها كدة للابد هيفضل الحب عايش فيها انا بجد اتمنيت يكون عندي الوفاء اللي عندها ده

walzhairy يقول...

غير معرف
===========

هو ده بيت القصيد ..

الوفاء للحبيب حتى ولولم يكن .. موجوداً

ورؤيته في .. حياوات أخرى

شمس النهار يقول...

زي ماقالت ال جي انا تهت في الاول بس لما قريتها تاني فعلا حسيت انك بترجم الحالة النفسية للبطله وهي بتفتكر زمان ودلوقتي والناس اللي اخدوا اعضاء من جسده كل ده لما قريته تاني
حسيت قد ايه انت قدرت تترجم التشويش والحزن اللي فيه البطلة
القصة رائعة فعلا :)

Do3aa El_attar يقول...

مؤلمة حد الوجع ... بس أنا كنت حاسة ان بعد الحب ده هيحصل حاجة .. وحصلت ... لان بعد كل قصة حب رائعة زي دي في الغتلب بتيحصل حتجة :(

اسلوب سردك للقصة كتن رائع جدا .. والغموض اللي كان فيها كان اروع

سعيدة اني جيت هنا :)

Do3aa El_attar يقول...

بعتذر عن الأخطاء الإملائية في الكومنت .. بس كنت بعلق من الموبايل والكهربا قاطعة :(

عايزة أضيف بقى إنه فعلا مامتش :)

Hatem يقول...

رائعه وجعلتنا نعيش لحظات رومانسيه رقيقة ،،، ووجهة نظر محترمه فى التبرع بالاعضاء البشرية

غير معرف يقول...

القصه فعلا رائعه
ولاحظت مدى موهبتك فى الكتابه
اسلوبك معبر ومشوق جدا
تحياتى
اتمتى التواصل

♥نبع الغرام♥♪≈ يقول...

طول عمرك فنان بجد افتقدك كتير كون بخير

يا مراكبي يقول...

حب أسطوري ونهاية مؤلمة

كل الحاجات الغير عادية مش بتدوم في الدنيا دي للأسف

Powered By Blogger
All Rights Reserved © Waleed AlZhairy - 2008/2013

وليد الزهيري © 2008. Template by Dicas Blogger.

TOPO