القيصر يجب أن يموت .. ليس اغتيالاً بل افتداء
وليد الزهيري
" النجم القطبي لا يدانيه في ثباته كوكب آخر، إن السماء مرصعة بمصابيح
لا حصر لها، كلها من نار وكلها مضيء، غير أن واحداً من بينها فحسب هو الثابت في
موضعه، وكذا في عالمناً هذا هو مليء بالرجال، والرجال من دم ولحم، كلهم ناطق يفهم
غير أني لا أعرف سوى واحد من بينهم فحسب لا تزحزحه عن مكانته الرفيعة دفعة أو هجوم
.. وأنا ذلك الرجل" بهذا الصلف والغرور يتحدث يوليوس قيصر في فيلم
"القيصر يجب أن يموت" .
فاز فيلم "القيصر يجب أن يموت" بجائزة الدب الذهبي
لمهرجان برلين السينمائي لعام 2012 للمخرجين الأخوين باولو وفيتوريو تافياني، اللذان
يعدان حالة خاصة في عالم السينما، فهما يكتبان ويخرجان الأفلام منذ نحو خمسين سنة،
ويتبادلان إخراج المشاهد بأسلوب واحد، وقد حصلا من قبل على جائزة السعفة الذهبية في
مهرجان كان عن فيلمهما "الأب السيد" عام 1977، وجائزة لجنة التحكيم عام
1982 عن فيلم "ليلة سان لورنزو.
تعد تجربة هذا الفيلم المأخوذ عن مسرحية وليم شكسبير
"يوليوس قيصر" فريدة من نوعها حيث تم تصويره داخل سجن " رابيبا" ذلك السجن الروماني
الكائن في ضواحي روما، كما أن الأغرب من ذلك هو أن الممثلين في هذا الفيلم هم السجناء
ومعظمهم من الخطرين. كما أن السيناريو استولى على النص الأصلي ليوليوس قيصر وقام
بتفكيكه والتركيز تحديداً على الفصل الثالث من المسرحية بداية من نسج مؤامرة قتل
قيصر حتى تأثير ذلك القتل على مرتكبي الجريمة.
كما أن شكسبير اتقن بناء مسرحيته خاصة بفضل موازنته الدرامية بين الأطراف المتصارعة،
وبالنظر إلى مصرع يوليوس قيصر خلال المشهد الأول من الفصل الثالث، فهو النقطة المحورية
لا النقطة الفاصلة في المسرحية وذلك لأن الاهتمام يرتكز قبل اغتياله على التآمر لقتلة،
وبعده يرتكز على خطوات الأخذ بثأره، إن قيصر حياً ليس بأكثر قوة وتأثيراً منه ميتاً،
بل تهيمن روحه على النصف الثاني من المسرحية أكثر مما هيمنت على النصف الأول، وها نحن
نرى في نهايتهما كلاً من بروتس وكاسيوس ينهي حياته بالإنتحار.
وتكمن عبقرية هذا السيناريو في التقاط هذا الخيط واختيار تلك المساحة
تحديداً من العمل لإبراز حجم الجريمة التي ارتكبت ومعاناة الجناة في إيجاد مبررات
حتى يستطيعوا العيش مع جرائمهم، والأروع من ذلك أن تأتي هذه التبريرات على لسان
مجرمين عتاة يقضون فترة عقوبتهم في السجن بالفعل. إن مشاركة سجناء
حقيقيين في الفيلم زاد من حدة الدراما وواقعيتها.
يبدأ الفيلم بمشهد النهاية لمسرحية "يوليوس قيصر" بموت بروتس
أنبل المتآمرين على قتل قيصر، وبعد نهاية العرض يتم جمع الممثلين والعودة بهم إلى
زنازينهم، في سجن " رابيبا " شديد الحراسة،
وفي المشهد التالي يعود بنا السيناريو للوراء قبل 6 شهور، عند تنظيم إدارة السجن
ورشة عمل مسرحية للموسم الجديد، ومسرحية هذا الموسم هي "يوليوس قيصر"
القائد العظيم الذي جعل روما مدينة عظيمة وقوية إلا أنه استسلم لغواية الاستبداد
وقتل على يد شركائه السياسيين.
وبعد اختبارات الممثلين ـ المساجين ـ
يتم اسناد الأدوار إلى مجموعة من الموهوبين، يجسد دور يوليوس قيصر جيوفاني
أركوني عقوبته 17 سنة لتجارته في المخدرات، وشخصية بروتس (سلفاتور ستريانو) عقوبته
18 سنة و8 شهور جريمة منظمة ، وشخصية كاسيوس (كوزيمو ريجا) ينفذ عقوبة السجن مدى
الحياة بتهمة جريمة قتل.
يحفظ المساجين أدوارهم داخل زنازينهم، متفاعلون مع نص شكسبير وإسقاطاته على
واقعهم مثلما قال مؤدي دور كاسيوس (روما بلا أحياء، مخاطباً حاله مثل مدينتي
نابولي أصبحت بلا أحياء)، معتقداً أن شكسبير عاش في شوارع مدينته، كما تنعكس معاناة
أحد الممثلين وهم يعدون المسرح لاستقبال الجماهير يضع يده
متحسساً احد المقاعد قائلاً " ربما تجلس هنا سيدة ".
كما يؤدي بروتس بروفاته داخل زنازنته أثناء تنظيفه لممرات السجن، ويشاركه
(كاسيوس) التقمص ويدخل عليه زنزانته، يقنعه بضرورة قتل قيصر، ويبدأ الشركاء في نسج المؤامرة ـ وتتشابه كل شخصية
يلعبونها مع واقعهم في الحياة ـ معتقدين أنهم
منفذين لمشيئة الله .. قائلين أنه لا يجب أن يتحول الأمر إلى مذبحة إذا قتلنا الذراع اليمنى للقيصر
(أنطونيو) فإن الناس سيرونهم قتلة وأنهم متمردون على الأفكار وضد روح
قيصر، مؤكدين على أن هذا ليس اغتيالا بل افتداء.
تتقلص ملامح بروتس أثناء بروفاته قائلاً: ليتني أستطيع قبض روح قيصر دون الحاجة لتمزيق
أوصاله، مستدعياً واقعه عندما قال له صديق أنه سيقتل واش مستعيناً بمفردات كتلك
التي كتبها شكسبير على لسان بروتس، تستمر الإسقاطات مع يوليوس قيصر متعذراً حتى لا
يذهب لمجلس الشيوخ، ويتودد له (ديشوس) حتى يقنعه بالذهاب كصديق ناصح ، ويخرج قيصر
عن النص متهماً (ديشوس) بأنه كاذب متملق وقح، الذي يقاطعه قائلاً أن هذا ليس في النص ، ويكمل
قيصر أنت لا تمثل أنت تؤدي دورك الحقيقي الذي أعرفه منذ سنين.
يستقر كل الممثلين المساجين عشية العرض في أسرتهم ينظرون للسقف ساخرين من كونهم
حراس الأسقف لا السجناء فهم يقضون وقتهم في الأسرة ينظرون لأعلى يحدثون أسقفهم
ويحاولون رؤية وجوه من افتقدوهم.
يقول يوليوس قيصر قولته مشبهاً نفسه بالنجم القطبي قبيل تنفيذ المتآمرون لحكمهم
فيه، وينهالون عليه بالطعنات، .. ويغمس المتآمرون أيديهم في دماء القيصر قائلين "ترى كم سيمر من
الزمن حتى يعاد تمثيل هذا المشهد الجليل؟ في ممالك لم تولد بعد وبلغات لا
نعرفها".





الفكرة غريبة بتاعة ان المساجين يمثلوا دي
:)
عجبني كلامك وتعليقك علي الفيلم
صديق التدوين العزيز
الحقيقة وصفك وتقريرك الرائع شوقوني جداً أشوف الفيلم.
تحياتي
حسن ارابيسك
كل عام وأن بخير
كل عام وأصدقاء التدوين كلهم بخير
تحياتي
حسن أرابيسك
واو
فكرة جريئة ومُتجددة ومُبدعة في نفس الوقت
شكراً لك لهذه المعلومات الطريفة
إرسال تعليق