ع الغربة
ـ الله أكبر.
قرأ الفاتحة، باكياً.
ـ الله أكبر,
ثم نصف التشهد.
ـ الله أكبر.
دعا لأخيه الجاثم أمامه، غلب نحيب المصلين على دعاءهم ذوي الأعمار المتقاربة في سن البذل والعطاء، معظمهم من بلدة واحدة أو رفاق العمل في الغربة، كان يبكي أخيه في نعشه.. وهم يبكون أنفسهم في نعوشهم.
جلس على مقعده عائداً بالطائرة إلى بلدته في جوف الصعيد، مستذكراً منذ عدة سنوات حينما علمه أخيه كيف يربط حزام مقعده قادماً للعمل لأول مرة في الخليج وشاربه مازال أخضراً، اليوم يجلس وحيداً وأخيه أسفل منه بقاع الطائرة يرقد في صندوقه حاملاً تذكرة ذهاب بلا عودة.
هكذا علمه أخيه الأكبر ربط الحزام على كل شيء مستعداً للانطلاق في آفاق غربته متسلحاً بتعليم مهني متوسط، منحه كل خبراته الحياتية والحقه بأحد المواقع الإنشائية مشرفاً على عمال يتاجرون بصحتهم من أجل قوت يومهم.
تذكر سؤاله لأخيه الكبير بعد عامين:
ـ عنسافر ميته مصر؟
ـ أمك أتوحشتك إياك؟
ـ بدي أشوفها.
ـ عندك صورتها، أمسكها في يدك وأنت بتكلمها ع التلفيون، مش ع تنزل مصر إلا يوم فرحك.
إعتاد حياة الغربة مثل أخيه الذي أفنى سنين عمره فيها، وكلما أخذه الحنين خاطبه راجياً:
ـ كفايانا غربة ياخوي.
أجابه بنظرات يائسة:
ـ أنت مشوفتش حاجة، مصر بتكره ولادها، بوك حارب في الاستنزاف وخرج مصاب، وأخرتها جاعد في البيت مع الحريم.
فك حزام مقعده وحمل جثمان أخيه عائداً به، وجد في استقباله أعين جامدة، دفنوا جثمان أخيه في بطن الجبل ورجعوا من حيث جاءوا معتادين غيابه.. التقت عينيه بأعين زوجة أخيه لأول مرة وهي جالسة بجوار زوجته تواسيها، قدم إليها حقيبة أخيه، أخذتها متوجه لحجرة نومها وفتحتها، أمسكت بجلباب زوجها وضعته على وجهها، اشتمت رائحة عرقه التي مازالت عالقة بها.
توسط ولدي أخيه الأكبر في سرادق العزاء، متتبعاً مكالمات هاتفية بين الحين والآخر تأتيهما للعزاء من رفاقهما بالجامعة، معقبين عليها بكلمات تقليدية جوفاء، شاهد من بعيد ابنت اخيه ذات السنوات الخمس، تلهو مع ولده وبقية ابناء الجيران بالقرب من سرادق أبيها، توجه إليها حملها واحتضنها حانياً، نظرت إليه ببراءة قائلة:
ـ وين بوي يا عم؟
ختم ضابط الجوازات جواز سفره وهو في طريقه مغادراً متجهاً نحو طائرته شارد الذهن مغيباً مهموماً بموقف زوجة أخيه بعد الأربعين:
ـ كيف يابنت الناس تاخدي عيالك وترحلي؟
ـ خالتي وخالتك، واتفرجوا الخالات، وكفاينا لحد أكدة.
ـ شوفتي منا أيه زعلك؟
ـ شوفت من أخوكم البخل والموت ع الجرش، وكل سنة ولا سنتين يورينا وشه.
ـ وولاد أخونا، الناس ع تاكل وشنا؟
ـ ولاد أخوكم كبروا، وعندهم اللي يكفيهم.
قرأت المضيفة رقم مقعده بالتذكرة، مشيرة إليه نحو المؤخرة، جلس متمتاً وهو يربط حزامه:
ـ مّرتي أصيلة .. متعملش أكدة.






حلوة جدا يا وليد
مصر بتكره ولادها
صعبة اوى القصة دى و صعوبتها انها حقيقية للاسف
اللهجة الصعيدية جذابة وفصيحة وبليغة أيضا
سأرى إذا كان لديك تدوينات أخرى بهذه اللهجة أم لا
-=-=-=-=-=
أحسنت
الغربة!
الحقيقة دايما بتوجع
والقصة مكتوبة بطريقة اكتر من رائعة
جميلة ... و عجبنى فيها اللغة الجنوبية .. و كمان رصد لحظة صعبة فعلا ... بس مش عارف كنت حاسس انك تلعب على الوتر النفسى بشكل اعمق اوى لأن و فيه مناطق كانت عايزة تتخدم اكتر علشاتن تاخدنا لمنبع الألم اكتر الموضوع بيستحمل ..
بس فى المجمل اكيد عجبنى الموضوع
جدا و الكتابة .. تسلم على الابداع
جميلة ... و عجبنى فيها اللغة الجنوبية .. و كمان رصد لحظة صعبة فعلا ... بس مش عارف كنت حاسس انك تلعب على الوتر النفسى بشكل اعمق اوى لأن و فيه مناطق كانت عايزة تتخدم اكتر علشاتن تاخدنا لمنبع الألم اكتر الموضوع بيستحمل ..
بس فى المجمل اكيد عجبنى الموضوع
جدا و الكتابة .. تسلم على الابداع
ايه الحلاوة دى يا مولانا .... فينك من زمان .... باختصار ... قصة قصيرة رائعة .... تحياتى
قد ايه جميلة
صديق التدوين العزيز
قاسية قصتك على النفس
مثل قسوة الفراق تماماً أوجعت قلوبنا
والحقيقة تلك القصة واقعية تماماً وحدثت وتحدث لبعض أبناء مصر ممن كتب الله عليهم الموت بعيداً عن بلدهم
الحقيقة الغربة عن الوطن ليست بالساهل وكثيرون يدفعون ثمناً باهظاً لها
عيد سعيد وكل سنة وانت طيب
تحياتي
حسن أرابيسك
مؤلمة وحقيقية جداً
وعشنا حولنا ما شابهها هُنا وهُناك في كل يوم
الحقيقة .. ما أبلغها خيراً من العديد من القصص والروايات
إرسال تعليق